الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
[ ص: 197 ] الحيلة السريجية لعدم وقوع الطلاق أصلا ) : ومن هذا الباب الحيلة السريجية التي حدثت في الإسلام بعد المائة الثالثة ، وهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق ألبتة ، بل تسد عليه باب الطلاق بكل وجه ، فلا يبقى له سبيل إلى التخلص منها ، ولا يمكنه مخالعتها عند من يجعل الخلع طلاقا ، وهي نظير سد الإنسان على نفسه باب النكاح بقوله : كل امرأة أتزوجها فهي طالق ، فهذا لو صح تعليقه لم يمكنه في الإسلام أن يتزوج امرأة ما عاش ، وذلك لو صح شرعه لم يمكنه أن يطلق امرأة أبدا .

وصورة هذه الحيلة أن يقول : كلما طلقتك - أو كلما وقع عليك طلاقي - فأنت طالق قبله ثلاثا ، قالوا : فلا يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك ; إذ لو وقع لزم وقوع ما علق به وهو الثلاث ، وإذا وقعت الثلاث امتنع وقوع هذا المنجز ، فوقوعه يفضي إلى عدم وقوعه ، وما أفضى وجوده إلى عدم وجوده لم يوجد ، هذا اختيار أبي العباس بن سريج ، ووافقه عليه جماعة من أصحاب الشافعي ، وأبى ذلك جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنبلية وكثير من الشافعية ، ثم اختلفوا في وجه إبطال هذا التعليق ; فقال الأكثرون : هذا التعليق لغو وباطل من القول ; فإنه يتضمن المحال ، وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث ، وهذا محال ، فما تضمنه فهو باطل من القول ، فهو بمنزلة قوله : إذا وقع عليك طلاقي لم يقع ، وإذا طلقتك لم يقع عليك طلاقي ، ونحو هذا من الكلام الباطل ، بل قوله : " إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا " أدخل في الإحالة والتناقض ; فإنه في الكلام الأول جعل وقوع الطلاق مانعا من وقوعه مع قيام الطلاق ، وهنا جعل وقوعه مانعا من وقوعه مع زيادة محال عقلا وعادة ، فالمتكلم به يتكلم بالمحال قاصدا للمحال ، فوجود هذا التعليق وعدمه سواء ، فإذا طلقها بعد ذلك نفذ طلاقها ولم يمنع منه مانع ، وهذا اختيار أبي الوفاء ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد وأبي العباس بن القاص من أصحاب الشافعي .

وقالت فرقة أخرى : بل المحال إنما جاء من تعليق الثلاث على المنجز ، وهذا محال أن يقع المنجز ويقع جميع ما علق به ; فالصواب أن يقع المنجز ويقع جميع ما علق به أو تمام الثلاث من المعلق ، وهذا اختيار القاضي وأبي بكر وبعض الشافعية .

ومذهب أبي حنيفة والذين منعوا وقوع الطلاق جملة قالوا : هو ظاهر كلام الشافعي ، فهذا تلخيص الأقوال في هذا التعليق .

قال المصححون للتعليق : صدر من هذا الزوج طلاقان منجز ومعلق ، والمحل [ ص: 198 ] قابل ، وهو ممن يملك التنجيز والتعليق ، والجمع بينهما ممتنع ، ولا مزية لأحدهما على الآخر ، فتمانعا وتساقطا ، وبقيت الزوجية بحالها ، وصار كما لو تزوج أختين في عقد واحد فإنه يبطل نكاحهما لهذا الدليل بعينه .

وكذلك إذا أعتق أمته في مرض موته وزوجها عبده ولم يدخل بها وقيمتها مائة ومهرها مائة وباقي التركة مائة لم يثبت لها الخيار ; لأن إثبات الخيار يقتضي سقوط المهر ، وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار ، والجمع بينهما لا يمكن ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، لأن طريق ثبوتهما الشرع ، فأبقينا النكاح ورفضنا الخيار ولم يسقط المهر ، وكل ما أفضى وقوعه إلى عدم وقوعه فهذه سبيله . ومثاله في الحس إذا تشاح اثنان في دخول دار ، وهما سواء في القوة ، وليس لأحدهما على الآخر مزية توجب تقديمه ; فإنهما يتمانعان فلا يدخل واحد منهما ، وهذا مشتق من دليل التمانع على التوحيد ، وهو أنه يستحيل أن يكون للعالم فاعلان مستقلان بالفعل ; فإن استقلال كل منهما ينفي استقلال الآخر ، فاستقلالهما يمنع استقلالهما ، ووازنه في هذه المسألة أن وقوعهما يمنع وقوعهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية