الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فمال الذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا ) فرع استفهام إنكاري وتعجيبي من تجمع المشركين إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - مستهزئين بما يسمعون من وعد المؤمنين بالجنة ووعيد المشركين بعذاب جهنم .

فرع ذلك على ما أفاده في قوله أولئك في جنات مكرمون .

والمعنى : أن الذين كفروا لا مطمع لهم في دخول الجنة فلماذا يحاولون بتجمعهم حولك بملامح استهزائهم ؟ .

وهذا وإن كان خطابا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فالمقصود به إبلاغه إليهم فيما يتلو عليهم [ ص: 176 ] من القرآن فهو موجه إليهم في المعنى كما يدل عليه تنهيته بحرف الردع فهو لا يناسب أن يكون إعلاما للنبيء - صلى الله عليه وسلم - لذلك ؛ لأنه شيء مقرر في علمه .

ومعنى فما للذين كفروا : أي شيء ثبت للذين كفروا في حال كونهم عندك ، أو في حال إهطاعهم إليك .

وقد تقدم عند قوله تعالى قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا في سورة البقرة . وتركيب ( ما له ) لا يخلو من حال مفردة ، أو جملة بعد الاستفهام تكون هي مصب الاستفهام . فيجوز أن تكون الحال المتوجه إليها الاستفهام هنا الظرف ، أي : قبلك فيكون ظرفا مستقرا وصاحب الحال هو ( للذين كفروا ) . ويجوز أن تكون ( مهطعين ) فيكون ( قبلك ) ظرفا لغوا متعلقا بـ ( مهطعين ) . وعلى كلا الوجهين هما مثار التعجيب من حالهم فأيهما جعل محل التعجيب أجري الآخر المجرى اللائق به في التركيب . وكتب في المصحف اللام الداخلة على ( الذين ) مفصولة عن مدخولها وهو رسم نادر .

والإهطاع : مد العنق عند السير كما تقدم في قوله تعالى ( مهطعين إلى الداع ) في سورة القمر .

قال الواحدي والبغوي وابن عطية وصاحب الكشاف : كان المشركون يجتمعون حول النبيء - صلى الله عليه وسلم - ويستمعون كلامه ويكذبونه ويستهزئون بالمؤمنين ، ويقولون : لئن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد فلندخلنها قبلهم وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم . فأنزل الله هذه الآية .

وقبل : اسم بمعنى ( عند ) .

وتقديم الظرف على مهطعين للاهتمام به ؛ لأن التعجيب من حالهم في حضرة النبيء - صلى الله عليه وسلم - أقوى لما فيهم من الوقاحة .

وموقع قوله عن اليمين وعن الشمال مثل موقع قبلك وموقع مهطعين . والمقصود : كثرة الجهات ، أي : واردين إليك .

[ ص: 177 ] والتعريف في اليمين والشمال تعريف الجنس أو الألف واللام عوض عن المضاف إليه .

والمقصود من ذكر اليمين والشمال : الإحاطة بالجهات فاكتفي بذكر اليمين والشمال ، لأنهما الجهتان اللتان يغلب حولهما ، ومثله قول قطري بن الفجاءة :


فلقد أراني للرماح دريئة من عن يميني مرة وأمامي

يريد : من كل جهة .

و ( عزين ) حال من الذين كفروا . وعزين : جمع عزة ، بتخفيف الزاي ، وهي الفرقة من الناس ، اسم بوزن فعلة . وأصله عزوة بوزن كسوة ، وليست بوزن عدة . وجرى جمع ( عزة ) على الإلحاق بجمع المذكر السالم على غير قياس ، وهو من باب سنة من كل اسم ثلاثي حذفت لامه وعوض عنها هاء التأنيث ولم يكسر مثل عضة ( للقطعة ) .

وهذا التركيب في قوله تعالى فما للذين كفروا قبلك مهطعين إلى قوله ( جنة نعيم ) يجوز أن يكون استعارة تمثيلية ، شبه حالهم في إسراعهم إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - بحال من يظن بهم الاجتماع لطلب الهدى والتحصيل على المغفرة ليدخلوا الجنة ، ؛ لأن الشأن أن لا يلتف حول النبيء - صلى الله عليه وسلم - إلا طالبو الاهتداء بهديه .

والاستفهام على هذا مستعمل في أصل معناه ؛ لأن التمثيلية تجري في مجموع الكلام مع بقاء كلماته على حقائقها .

ويجوز أن يكون الكلام استفهاما مستعملا في التعجيب من حال إسراعهم ثم تكذيبهم واستهزائهم .

وجملة أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم بدل اشتمال عن جملة فمال الذين كفروا قبلك مهطعين الآية ، ؛ لأن التفافهم حول النبيء - صلى الله عليه وسلم - شأنه أن يكون لطلب الهدى والنجاة فشبه حالهم بحال طالبي النجاة والهدى فأورد استفهام عليه .

وحكى المفسرون أن المشركين قالوا مستهزئين : نحن ندخل الجنة قبل المسلمين ، فجاز أن يكون الاستفهام إنكارا لتظاهرهم بالطمع في الجنة بحمل استهزائهم على خلاف مرادهم على طريقة الأسلوب الحكيم ، أو بالتعبير بفعل [ ص: 178 ] يطمع عن التظاهر بالطمع كما في قوله تعالى يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم أي : يتظاهرون بأنهم يحذرون .

وأسند الطمع إلى كل امرئ منهم دون أن يقال : أيطمعون أن يدخلوا الجنة ، تصويرا لحالهم بأنها حال جماعة يريد كل واحد منهم أن يدخل الجنة لتساويهم ، يرون أنفسهم سواء في ذلك ، ففي قوله ( كل امرئ منهم ) تقوية التهكم بهم .

ثم بني على التهكم ما يبطل ما فرض لحالهم بما بني عليه التمثيل التهكمي بكلمة الردع وهي ( كلا ) أي : لا يكون ذلك . وذلك انتقال من المجاز إلى الحقيقة ومن التهكم بهم إلى توبيخهم دفعا لتوهم من يتوهم أن الكلام السابق لم يكن تهكما .

وهنا تم الكلام على إثبات الجزاء .

التالي السابق


الخدمات العلمية