الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وقوله تعالى: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أي سموا وقالوا: إنهم إناث، قال الزجاج : الجعل في مثله بمعنى القول والحكم على الشيء تقول: جعلت زيدا أعلم الناس أي وصفته بذلك وحكمت به، واختار أبو حيان أن المعنى صيروهم في اعتقادهم إناثا اعتراض وارد لإثبات مناقضتهم أيضا وادعاء ما لا علم لهم به المؤيد لجعله معتمد الكلام على ما سبق آنفا فإنهم أنثوهم في هذا المعتقد من غير استناد إلى علم فارشد إلى أن ما هم عليه من إثبات الولد مثل ما هم عليه من تأنيث الملائكة عليهم السلام في أنهما سخف وجهل كانا كفرين أولا، نعم هما في نفس الأمر كفران، أما الأول فظاهر. وأما الثاني فللاستخفاف برسله سبحانه أعني الملائكة وجعلهم أنقص العباد رأيا وأخسهم صنفا وهم العباد المكرمون المبرءون من الذكورة والأنوثة فإنهما من عوارض الحيوان المتغذي المحتاج إلى بقاء نوعه لعدم جريان حكمة الله تعالى ببقاء شخصه وليس ذلك عطفا على قوله سبحانه: وجعلوا له من عباده جزءا لما علمت من أن الجملة في موضع الحال من فاعل ليقولن ولا يحسن بحسب الظاهر أن يقال. ليقولن خلقهن العزيز العليم وقد جعلوا الملائكة إناثا، وقرئ (عبيد) جمع عبد وكذا (عباد) وقيل: عباد جمع عابد كصائم وصيام وقائم وقيام، وقرأ عمر بن الخطاب . والحسن . وأبو رجاء . وقتادة . وأبو جعفر . وشيبة . والأعرج . والابنان. ونافع (عند الرحمن) ظرفا وهو أدل على رفع المنزلة وقرب المكانة، والكلام على الاستعارة في المشهور لاستحالة العندية المكانية في حقه سبحانه، وقرأ أبي عبد الرحمن بالباء مفرد عباد، والمعنى على الجمع بإرادة الجنس.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ الأعمش (عباد) بالجمع والنصب حكاها ابن خالويه وقال: هي في مصحف ابن مسعود كذلك، وخرج أبو حيان النصب على إضمار فعل أي الذين هم خلقوا عباد الرحمن، وقرأ زيد بن علي (أنثا) بضمتين ككتب جمع إناثا فهو جمع الجمع، وعلى جميع القراءات الحصر إذا سلم إضافي فلا يتم الاستدلال به على أفضلية الملك على البشر.

                                                                                                                                                                                                                                      أشهدوا خلقهم أي أحضروا خلق الله تعالى إياهم فشاهدوهم إناثا حتى يحكموا بأنوثتهم فإن ذلك مما يعلم [ ص: 72 ] بالمشاهدة، وهذا كقوله تعالى: أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون وفيه تجهيل لهم وتهكم بهم، وإنما لم يتعرض لنفي الدلائل النقلية لأنها في مثل هذا المطلب مفرعة على القول بالنبوة وهم الكفرة الذين لا يقولون بها ولنفي الدلائل العقلية لظهور انتفائها والنفي المذكور أظهر في التهكم فافهم، وقرأ نافع (أأشهدوا) بهمزة داخلة على أشهد الرباعي المبني للمفعول، وفي رواية أنه سهل هذه الهمزة فجعلها بين الهمزة والواو وهي رواية عن أبي عمرو ، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه. وابن عباس . ومجاهد ، وفي أخرى أنه سهلها وأدخل بينها وبين الأولى ألفا كراهة اجتماع همزتين ونسبت إلى جماعة، والاكتفاء بالتسهيل أوجه، وقرأ الزهري وناس (أشهدوا) بغير استفهام مبنيا للمفعول رباعيا فقيل المعنى على الاستفهام نحو قوله:


                                                                                                                                                                                                                                      قالوا تحبها قلت بهرا



                                                                                                                                                                                                                                      وهو الظاهر، وقيل: على الإخبار، والجملة صفة (إناثا) وهم وإن لم يشهدوا خلقهم لكن نزلوا لجراءتهم على ذلك منزلة من أشهد أو المراد أنهم أطلقوا عليهم الإناث المعروفات لهم اللاتي أشهدوا خلقهن لا صنفا آخر من الإناث ولا يخفى ما في كلا التأويلين من التكلف ستكتب في ديوان أعمالهم شهادتهم التي شهدوا بها على الملائكة عليهم السلام، وقيل: سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدريكم أنهم إناث فقالوا: سمعنا ذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال الله تعالى: ستكتب شهادتهم ويسألون عنها يوم القيامة، والكلام وعيد لهم بالعقاب والمجازاة على ذلك والسين للتأكيد، وقيل: يجوز أن تحمل على ظاهرها من الاستقبال ويكون ذلك إشارة إلى تأخير كتابة السيئات لرجاء التوبة والرجوع كما ورد في الحديث إن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا أراد أن يكتبها قال له: توقف فيتوقف سبع ساعات فإن استغفر وتاب لم يكتب فلما كان ذلك من شأن الكتابة قرنت بالسين، وكونهم كفارا مصرين على الكفر لا يأباه. وقرأ الزهري (سيكتب) بالياء التحتية مبنيا للمفعول، وقرأ الحسن كالجمهور إلا أنه قرأ (شهاداتهم) بالجمع وهي قولهم: إن لله سبحانه جزءا وإن له بنات وإنها الملائكة، وقيل: المراد ما أريد بالمفرد والجمع باعتبار التكرار، وقرأ ابن عباس . وزيد بن علي . وأبو جعفر . وأبو حيوة. وابن أبي عبلة . والجحدري. والأعرج (سنكتب) بالنون مبنيا للفاعل (شهادتهم) بالنصب والإفراد.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأت فرقة (سيكتب) بالياء التحتية مبنيا للفاعل وبإفراد (شهادتهم) ونصبها أي سيكتب الله تعالى شهادتهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقرئ (يساءلون) من المفاعلة للمبالغة

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية