الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين .

حكم أعقب به الامتنان : لما في هذا الحكم من التنويه بشأن البيت فلذلك حسن عطفه . والتقدير : مباركا ، وهدى ، وواجبا حجه . فهو عطف على الأحوال .

والحج تقدم عند قوله تعالى الحج أشهر معلومات في سورة البقرة ، وفيه لغتان - فتح الحاء وكسرها - ولم يقرأ في جميع مواقعه في القرآن - بكسر الحاء - إلا في هذه الآية : قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر - بكسر الحاء - .

ويتجه أن تكون هذه الآية هي التي فرض بها الحج على المسلمين ، وقد استدل بها علماؤنا على فرضية الحج ، فما كان يقع من حج النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ، قبل نزولها ، فإنما كان تقربا إلى الله ، واستصحابا للحنفية . وقد ثبت أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - حج مرتين بمكة قبل الهجرة ووقف مع الناس ، فأما إيجاب الحج في الشريعة الإسلامية فلا دليل على وقوعه إلا هذه الآية وقد تمالأ علماء الإسلام على الاستدلال بها على وجوب الحج ، فلا يعد ما وقع من الحج قبل نزولها ، وبعد البعثة إلا تحنثا وتقربا ، وقد صح أنها نزلت سنة ثلاث من الهجرة ، عقب غزوة أحد ، فيكون الحج فرض يومئذ . وذكر القرطبي الاختلاف في وقت فرضية الحج على ثلاثة أقوال : فقيل : سنة خمس ، وقيل : سنة سبع ، وقيل : سنة تسع ، ولم يعز الأقوال إلى أصحابها ، سوى أنه ذكر عن ابن هشام ، عن أبي عبيد الواقدي أنه فرض [ ص: 22 ] عام الخندق ، بعد انصراف الأحزاب ، وكان انصرافهم آخر سنة خمس . قال ابن إسحاق : وولي تلك الحجة المشركون . وفي مقدمات ابن رشد ما يقتضي أن الشافعي يقول : إن الحج وجب سنة تسع ، وأظهر من هذه الأقوال قول رابع تمالأ عليه الفقهاء وهو أن دليل وجوب الحج قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا . وقد استدل الشافعي بها على أن وجوبه على التراخي ، فيكون وجوبه على المسلمين قد تقرر سنة ثلاث ، وأصبح المسلمون منذ يومئذ محصرين عن أداء هذه الفريضة إلى أن فتح الله مكة ووقعت حجة سنة تسع .

وفي هذه الآية من صيغ الوجوب صيغتان : لام الاستحقاق ، وحرف على الدال على تقرر حق في ذمة المجرور بها . وقد تعسر أو تعذر قيام المسلمين بأداء الحج عقب نزولها ، لأن المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك ، فلعل حكمة إيجاب الحج يومئذ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحج مهما تمكنوا من ذلك ، ولتقوم الحجة على المشركين بأنهم يمنعون هذه العبادة ، ويصدون عن المسجد الحرام ، ويمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه .

وقوله من استطاع إليه سبيلا بدل من الناس لتقييد حال الوجوب ، وجوز الكسائي أن يكون فاعل حج ، ورد بأنه يصير الكلام : لله على سائر الناس أن يحج المستطيع منهم ، ولا معنى لتكليف جميع الناس بفعل بعضهم ، والحق أن هذا الرد لا يتجه لأن العرب تتفنن في الكلام لعلم السامع بأن فرض ذلك على الناس فرض مجمل يبينه فاعل حج ، وليس هو كقولك : استطاع الصوم ، أو استطاع حمل الثقل ، ومعنى استطاع سبيلا وجد سبيلا وتمكن منه ، والكلام بأواخره . والسبيل هنا مجاز فيما يتمكن به المكلف من الحج .

وللعلماء في تفسير السبيل في قوله تعالى ( من استطاع إليه سبيلا ) أقوال اختلفت ألفاظها ، واتحدت أغراضها ، فلا ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتا في كتب التفسير وغيرها ، فسبيل القريب من البيت الحرام سهل جدا ، وسبيل البعيد الراحلة والزاد ، ولذلك قال مالك : السبيل القدرة والناس على قدر طاقتهم وسيرهم وجلدهم . واختلف فيمن [ ص: 23 ] لا زاد له ويستطيع الاحتراف في طريقه : فقال مالك : إذا كان ذلك لا يزري فليسافر ويكتسب في طريقه ، وقال بمثله ابن الزبير ، والشعبي ، وعكرمة . وعن مالك كراهية السفر في البحر للحج إلا لمن لا يجد طريقا غيره كأهل الأندلس ، واحتج بأن الله تعالى قال يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ولم أجد للبحر ذكرا . قال الشيخ ابن عطية : هذا تأنيس من مالك وليست الآية بالتي تقتضي سقوط سفر البحر . وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر وهل الجهاد إلا عبادة كالحج ، وكره مالك للمرأة السفر في البحر لأنه كشفة لها ، وكل هذا إذا كانت السلامة هي الغالب وإلا لم يجز الإلقاء إلى التهلكة ، وحال سفر البحر اليوم أسلم من سفر البر إلا في أحوال عارضة في الحروب إذا شملت البحار .

وظاهر قوله تعالى من استطاع إليه سبيلا أن الخطاب بالحج والاستطاعة للمرء في عمله لا في عمل غيره ، ولذلك قال مالك : لا تصح النيابة في الحج في الحياة لعذر ، فالعاجز يسقط عنه الحج عنده ولم ير فيه إلا أن للرجل أن يوصي بأن يحج عنه بعد موته حج التطوع ، إذا أوصى به الرجل بعد موته وقال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق بن راهويه : إذا كان له عذر مانع من الحج وكان له من يطيعه لو أمره بأن يحج عنه ، أو كان له مال يستأجر به من يحج عنه ، صار قادرا في الجملة ، فيلزمه الحج ، واحتج بحديث ابن عباس : أن امرأة من خثعم سألت النبيء - صلى الله عليه وسلم - يوم حجة الوداع فقالت : إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفيجزئ أن أحج عنه ؟ قال : نعم ، حجي عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ؟ قالت : نعم ، قال : فدين الله أحق أن يقضى . وأجاب عنه المالكية بأن الحديث لم يدل على الوجوب بل أجابها بما فيه حث على طاعة أبيها ، وطاعة ربها .

قال علي بن أبي طالب ، وسفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وابن المبارك . لا تجزئ إلا إنابة دون إنابة الطاعة .

[ ص: 24 ] وظاهر الآية أنه إذا تحققت الاستطاعة وجب الحج على المستطيع على الفور ، وذلك يندرج تحت مسألة اقتضاء الأمر الفور أو عدم اقتضائه إياه ، وقد اختلف علماء الإسلام في أن الحج واجب على الفور أو على التراخي . فذهب إلى أنه على الفور البغداديون من المالكية : ابن القصار ، وإسماعيل بن حماد ، وغيرهما ، وتأولوه من قول مالك ، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وداود الظاهري . وذهب جمهور العلماء إلى أنه على التراخي وهو الصحيح من مذهب مالك ورواية ابن نافع وأشهب عنه وهو قول الشافعي وأبي يوسف . واحتج الشافعي بأن الحج فرض قبل حج النبيء - صلى الله عليه وسلم - بسنين ، فلو كان على الفور لما أخره ، ولو أخره لعذر لبينه أي لأنه قدوة للناس . وقال جماعة : إذا بلغ المرء الستين وجب عليه الفور بالحج إن كان مستطيعا خشية الموت ، وحكاه ابن خويز منداد عن ابن القاسم .

ومعنى الفور أن يوقعه المكلف في الحجة التي يحين وقتها أولا عند استكمال شرط الاستطاعة .

وقوله ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ظاهره أنه مقابل قوله من استطاع إليه سبيلا فيكون المراد ب من كفر من لم يحج مع الاستطاعة ، ولذلك قال جمع من المحققين : إن الإخبار عنه بالكفر هنا تغليظ لأمر ترك الحج . والمراد كفر النعمة . ويجوز أيضا أن يراد تشويه صنعه بأنه كصنيع من لا يؤمن بالله ورسله وفضيلة حرمه . وقال قوم : أراد ومن كفر بفرض الحج ، وقال قوم بظاهره : إن ترك الحج مع القدرة عليه كفر . ونسب للحسن . ولم يلتزم جماعة من المفسرين أن يكون العطف للمقابلة وجعلوها جملة مستقلة . كالتذييل ، بين بها عدم اكتراث الله بمن كفر به .

وعندي أنه يجوز أن يكون المراد ب من كفر من كفر بالإسلام ، وذلك تعريض بالمشركين من أهل مكة بأنه لا اعتداد بحجهم عند الله وإنما يريد الله أن يحج المؤمنون به والموحدون له .

[ ص: 25 ] وفي قوله غني عن العالمين رمز إلى نزعه ولاية الحرم من أيديهم : لأنه لما فرض الحج وهم يصدون عنه ، وأعلمنا أنه غني عن الناس ، فهو لا يعجزه من يصد الناس عن مراده تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث