الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              4634 (5) باب في وجوب صلة الرحم وثوابها

                                                                                              [ 2461 ] عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال : نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت : بلى، قال : فذاك لك". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اقرؤوا إن شئتم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [محمد: 22 - 24] .

                                                                                              رواه البخاري (5987)، ومسلم (2554).

                                                                                              [ 2462 ] وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" .

                                                                                              رواه أحمد ( 6 \ 62 )، والبخاري (5989)، ومسلم (2555).

                                                                                              [ ص: 524 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 524 ] (5) ومن باب : وجوب صلة الرحم

                                                                                              (قوله : " إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم ") خلق هنا : بمعنى اخترع ، وأصله : التقدير ، كما تقدم . والخلق هنا : بمعنى المخلوق ، وأصله مصدر ، يقال : خلق يخلق خلقا : إذا قدر ، وإذا اخترع . قال زهير :


                                                                                              ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفري

                                                                                              أي : تقطع ما قدرت . وقال الله تعالى : هذا خلق الله [لقمان: 11] أي : مخلوقه . ومعنى فرغ منهم : أي كمل خلقهم ، لا أنه اشتغل بهم ، ثم فرغ من شغله بهم ، إذ ليس فعله بمباشرة ، ولا بمناولة ، ولا خلقه بآلة ، ولا محاولة ، تعالى عما يتوهمه المتوهمون ، وسبحانه إذا أراد شيئا ، فإنما يقول له : كن فيكون .

                                                                                              و (قوله : " قامت الرحم فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ") هذا الكلام من المجاز المستعمل ، والاتساع المشهور، إذ الرحم عبارة عن قرابات الرجل من جهة طرفي آبائه وإن علوا ، وأبنائه وإن نزلوا ، وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمات ، والأخوال والخالات ، والإخوة والأخوات ، ومن يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة . والقرابة إذا نسبة من النسب ، كالأبوة ، والأخوة ، والعمومة ، وما كان كذلك استحال حقيقة القيام والكلام ، فيحمل هذا الكلام على التوسع ، ويمكن حمله على أحد وجهين :

                                                                                              [ ص: 525 ] أحدهما : أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة ، فيقول ذلك ، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ، ويكتب ثواب من وصلها ، ووزر من قطعها ، كما قد وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين ، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين .

                                                                                              وثانيهما : أن ذلك على وجه التقدير والتمثيل المفهم للإغياء ، وشدة الاعتناء ، فكأنه قال : لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام ، كما قال تعالى : لو أنـزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ثم قال : وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون [الحشر: 21].

                                                                                              وعلى التقديرين فمقصود هذا الكلام : الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم ؟ وأنه تعالى قد نزلها منزلة من قد استجار به فأجاره ، وأدخله في ذمته وخفارته ، وإذا كان كذلك فجار الله تعالى غير مخذول ، وعهده غير منقوض ؛ ولذلك قال مخاطبا للرحم : " أما ترضين أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ ! " وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : " من صلى الصبح فهو في ذمة الله ، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء ، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ، ثم يكبه على وجهه في النار " .

                                                                                              وقوله صلى الله عليه وسلم : " اقرؤوا إن شئتم : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم [محمد: 22] عسى : من أفعال المقاربة ، ويكون رجاء وتحقيقا ، قال الجوهري : عسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى : [ ص: 526 ] عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن [التحريم: 5] وإذا اتصل بعسى ضمير فاعل كان فيها لغتان ، فتح السين وكسرها ، وقرئ بهما ، وظاهر الآية : أنه خطاب لجميع الكفار . قال قتادة : معنى الآية : فلعلكم - أو يخاف عليكم - إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسفك الدماء .

                                                                                              قلت : وعلى هذا فتكون الرحم المذكورة هنا رحم دين الإسلام والإيمان التي قد سماها الله إخوة بقوله : إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] وقال الفراء : نزلت هذه الآية في بني هاشم وبني أمية . وعلى هذا فتكون رحم القرابة ، وعلى هذا فالرحم المحرم قطعها ، المأمور بصلتها على وجهين ؛ عامة وخاصة .

                                                                                              فالعامة : رحم الدين ، وتجب مواصلتها بملازمة الإيمان ، والمحبة لأهله ونصرتهم ، والنصيحة لهم ، وترك مضارتهم ، والعدل بينهم ، والنصفة في معاملتهم ، والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى ، وحقوق الموتى : من غسلهم ، والصلاة عليهم ، ودفنهم ، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم .

                                                                                              وأما الرحم الخاصة : فتجب لهم الحقوق العامة ، وزيادة عليها كالنفقة على القرابة القريبة ، وتفقد أحوالهم ، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم ، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة ، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب كما تقدم .




                                                                                              الخدمات العلمية