الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا

المفردات : ( السفهاء ) جمع سفيه من السفه والسفاهة ، وتقدم في تفسير سورة البقرة أن السفه هو الاضطراب في الرأي ، والفكر ، أو الأخلاق . وأصله الاضطراب في المحسوسات . وقال الراغب : السفه خفة في البدن ، ومنه قيل : زمام سفيه : كثير الاضطراب ، وثوب سفيه : رديء النسج . واستعمل في خفة النفس لنقصان العقل ، وفي الأمور الدنيوية والأخروية .

[ ص: 310 ] ثم جعل السفه في الأمور الدنيوية هو المراد من لفظ السفهاء هنا ، ومثل للسفه في الأمور الأخروية بقوله - تعالى - : وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا [ 72 : 4 ] . فالسفهاء هنا هم المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا ينبغي ويسيئون التصرف بإنمائها وتثميرها - قياما تقوم بها أمور معايشكم فتحول دون وقوعكم في الفقر ، وقرأها نافع ، وابن عامر ( قيما ) ، وهو بمعنى قياما كما يأتي . قال الراغب القيام والقوام : اسم لما يقوم به الشيء ، أي يثبت ، كالعماد ، والسناد لما يعمد به ، وذكر الآية . وفسرت في الكشاف بقوله : أي تقومون بها ، وتتعيشون ، ولو ضيعتموها لضعتم قال : وقرئ ( قيما ) بمعنى قياما كما جاء عوذا بمعنى عياذا - وارزقوهم من الرزق ، وهو العطاء من الأشياء الحسية ، والمعنوية ، ويطلق على النصيب من الشيء ، وقد يخص بالطعام ، قيل : وهو الظاهر هنا لمقابلته بالكسوة . كما قال في آية المرضعات : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف [ 2 : 233 ] وقد يقال : إنه أعم في الموضعين . وقوله : آنستم منهم رشدا معناه أبصرتم منهم هذا النوع من الرشد في حفظ الأموال ، وحسن التصرف فيها إبصار إيناس ، وهو الاستيضاح ، واستعبر للتبيين كما في الكشاف ، وعن ابن عباس : أن الرشد الصلاح في العقل والحفظ للمال إسرافا وبدارا مصدران لـ أسرف وبادر ، فالإسراف مجاوزة الحد في كل عمل ، وغلب في الأموال ، ويقابله القتر ، وهو النقص في النفقة عما ينبغي ، قال - تعالى - : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [ 20 : 67 ] يقال : قتر - يقتر بوزن نصر ينصر ، وقتر يقتر - بالتشديد - والقوام كالقيام : هو القصد بينهما الذي تقوم به المعيشة وتثبت كما تقدم . والبدار : المبادرة أي المسارعة إلى الشيء ، يقال : بادرت إلى الشيء وبدرت إليه . وقوله : أن يكبروا في تأويل المصدر ، أي كبرهم في السن ، يقال : كبر يكبر - بوزن علم يعلم ، إذا كبرت سنه ، وأما كبر يكبر - بضم الباء - في الماضي والمضارع ، فهو كعظم يعظم حسا ، أو معنى فليستعفف فليعف مبالغا في العفة ، أو فليطالب نفسه بالعفة ويحملها عليها ، وهي ترك ما لا ينبغي من الشهوات ، أو ملكة في النفس تقتضي ذلك ، وطلبها يكون بالتعفف وهو تكلف العفة المرة بعد المرة ، حتى تستحكم الملكة في النفس بالتكرار ، والممارسة كسائر الأخلاق ، والملكات المكتسبة بالتربية .

المعنى : اختلف مفسرو السلف في المراد بالسفهاء هنا . فقيل : هم اليتامى ، والنساء . وقيل : النساء خاصة . وقيل : الأولاد الصغار للمخاطبين . وقيل : هي عامة في كل سفيه من صغير ، وكبير ، وذكر ، وأنثى ، واختاره ابن جرير ، وجعل الخطاب لمجموع الأمة ليشمل النهي كل مال يعطى لأي سفيه ، وهو أحسن الأقوال - راجع تفسير ولا تأكلوا أموالكم [ 2 : 188 ] - ص157 ج 2 [ ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ] وقال الأستاذ الإمام : أمرنا الله - تعالى - في الآيات [ ص: 311 ] السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم وبإيتاء النساء صدقاتهن أي مهورهن ، وأتى في قوله : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما بشرط للإيتاء يعم الأمرين السابقين ; أي أعطوا كل يتيم ماله إذا بلغ ، وكل امرأة صداقها إلا إذا كان أحدهما سفيها لا يحسن التصرف في ماله ، فحينئذ يمتنع أن تعطوه إياه لئلا يضيعه ، ويجب أن تحفظوه له ، أو يرشد ، وإنما قال : أموالكم ولم يقل أموالهم مع أن الخطاب للأولياء ، والمال للسفهاء الذين في ولايتهم للتنبيه على أمور :

أحدها : أنه إذا ضاع هذا المال ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه ، فبذلك تكون إضاعة مال السفيه مفضية إلى شيء من مال الولي ، فكأن ماله عين ماله .

ثانيها : أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم ، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين ، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة ، فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها .

ثالثا : التكافل في الأمة ، واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين ، كما قلناه في آيات أخرى .

وذهب ( الجلال ) إلى أنه أضاف الأموال إليهم لأنها في أيديهم كأنه قال : ولا تؤتوا السفهاء أموالهم التي في أيديكم - وهو غير ظاهر - وما قال من قال : إن السفهاء هنا هم أولاد المخاطبين الصغار إلا لحيرته في هذه الكاف في قوله : أموالكم وقوله : لكم وعدم ظهور النكتة له في إيثار ضمير الخطاب على ضمير الغيبة .

أقول : وأجاب الرازي بجوابين تبعا للزمخشري ، أحدهما : أنه أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه ، قال : ويكفي لحسن الإضافة أدنى سبب ، وهو الذي جرى عليه الجلال . ثانيهما قوله : إنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص ، ونظيره قوله - تعالى - : لقد جاءكم رسول من أنفسكم [ 9 : 128 ] وقوله : فمن ما ملكت أيمانكم [ 4 : 25 ] وقوله : فاقتلوا أنفسكم [ 2 : 54 ] وقوله : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم [ 2 : 85 ] ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ، وإنما كان بعضهم يقتل بعضا وكان الكل من نوع واحد ، فكذا هاهنا المال شيء واحد ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه ; فلأجل هذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم اهـ .

أقول : وهذا أوسع مما قاله الأستاذ الإمام في الأمر الثالث ، وهو غير ظاهر في النوع [ ص: 312 ] كما هو ظاهر في قوم المخاطبين الذين اتحدت مصالحهم بمصالحهم ، وكذلك لا يظهر في النظائر ، والشواهد التي أوردها ، فإن الذين أمروا بقتل ، أي قتل بعضهم بعضا لم يؤمروا بذلك لاشتراكهم في النوع ، وهو كونهم من البشر ، وإنما أمروا بذلك لأنهم أمة لها ملة ترتبط بها مصالحهم فخالفوها فاستحقوا العقاب لتكافلهم باشتراكهم في الذنب ، وعدم التناهي عنه ، ولو أنهم قتلوا قوما آخرين من نوع البشر لما كانوا ممتثلين للأمر ، ولما قيل لهم ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم والراجح في قوله - تعالى - : لقد جاءكم رسول من أنفسكم إنه خطاب للعرب الذين هم قوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت البعثة عامة كما بينا ذلك في موضع آخر ومن قال إنه خطاب لجميع الناس فوجهه أنهم مشتركون في تكليفهم اتباعه وفي كونه رسولا إليهم .

فلا بد في إقامة الوحدة النوعية ، أو القومية ، أو الأهلية مقام الوحدة الشخصية من اشتراك أفراد النوع ، أو القوم ، أو الأهل في المعنى الذي سيق الكلام لأجله ، كما بينه الأستاذ الإمام في توجيه إسناد ما فعله بنو إسرائيل في زمن موسى - صلى الله عليه وسلم - إلى أبنائهم الذين كانوا في زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - لتأثير أعمال السلف في الخلف بالوراثة والقدوة ، ولو جعلت الوحدة في الآية التي نفسرها بين الأولياء ، والسفهاء وحدة القرابة والكفالة التي هي أخص من الوحدة الأمية ، والقومية التي قال بها الأستاذ الإمام لكان المعنى أظهر ، كما أن ما قاله هو أظهر مما قاله الإمام الرازي ، وذلك أن الاشتراك في المصلحة ، والمنفعة بين الأولياء ، والسفهاء في الأموال مطرد تظهر فيه الوحدة دائما ، ولكن الأستاذ الإمام جعلها من قبيل وحدة الأمة ، وتكافلها إلحاقا لها بنظائرها الكثيرة في القرآن .

وقد علم من تفسير المفردات معنى جعل الأموال قياما للناس تقوم وتثبت بها منافعهم ومرافقهم ، ولا يمكن أن يوجد في الكلام ما يقوم مقام هذه الكلمة ، ويبلغ ما تصل إليه من البلاغة في الحث على الاقتصاد ، وبيان فائدته ومنفعته ، والتنفير عن الإسراف ، والتبذير الذي هو شأن السفهاء ، وبيان غائلته وسوء مغبته ; فكأنه قال : إن منافعكم ومرافقكم الخاصة ومصالحكم العامة لا تزال قائمة ثابتة ما دامت أموالكم في أيدي الراشدين المقتصدين منكم الذين يحسنون تثميرها وتوفيرها ، ولا يتجاوزون حدود المصلحة في إنفاق ما ينفقونه منها ، فإذا وقعت في أيدي السفهاء المسرفين الذين يتجاوزون الحدود المشروعة ، والمعقولة يتداعى ما كان من تلك المنافع سالما ، ويسقط ما كان من تلك المصالح قائما ، فهذا الدين هو دين الاقتصاد والاعتدال في الأموال كالأمور كلها ; ولذلك وصف الله - تعالى - المؤمنين بقوله : [ ص: 313 ] والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [ 25 : 67 ] فهذه الآية شارحة للفظ قياما في الآية التي نفسرها ، وقد نهانا القرآن عن التبذير حتى في مقام الإنفاق والتصدق المؤكد وجعل المبذر كالشيطان مبالغا في الكفر ، وبين سوء عاقبة المتوسع في النفقة إلى حد الإسراف كما في آيات 26 - 29 من السورة 17 ( الإسراء ) .

وفي الأحاديث النبوية مثل ذلك فمنها ما عال من اقتصد رواه أحمد عن ابن مسعود . وهو حديث حسن - " الاقتصاد نصف المعيشة ، وحسن الخلق نصف الدين " ، رواه الخطيب عن أنس ، والطبراني ، والبيهقي عن ابن عمر بلفظ : " الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة والتودد إلى الناس نصف العقل ، وحسن السؤال نصف العلم " ، وغيرهم بألفاظ أخرى : " من فقه الرجل رفقه في معيشته " رواه أحمد ، والطبراني ، عن أبي الدرداء ، وهو حديث حسن - " من اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله " إلخ . رواه البزار ، عن أبي طلحة وسنده ضعيف .

ومن الأحاديث في فضل الغني حديث سعد المتفق عليه : " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " وحديثه عند مسلم : " إن الله يحب العبد التقي الغني الحفي " ، وحديث حكيم بن حزام في الصحيحين خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى إلخ . وحديث عمرو بن العاص عند أحمد بسند صحيح نعما المال الصالح للمرء الصالح وحديث أنس عند مسلم ، والبيهقي كاد الفقر أن يكون كفرا .

فإذا جرى لنا نحن المسلمين بعد هذه الوصايا ، والحكم حتى صرنا أشد الأمم إسرافا ، وتبذيرا ، وإضاعة للأموال ، وجهلا بطرق الاقتصاد فيها ، وتثميرها ، وإقامة مصالح الأمة بها في هذا الزمن الذي لم يسبق له نظير في أزمنة التاريخ من حيث توقف قيام مصالح الأمم ، ومرافقها ، وعظمة شأنها على المال حتى إن الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد ، التي ليس في أيديها مال كثير قد صارت مستذلة ، ومستعبدة للأمم الغنية بالبراعة في الكسب ، والإحسان في الاقتصاد ؟

وماذا جرى لتلك الأمم التي يقول لها كتابها الديني كما في إنجيل متى " ( 19 : 23 ) إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات [ 24 ] وأقول لكم أيضا إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله " ، ويقول كما في ( 6 : 24 ) منه : " لا تقدرون أن تخدموا لله والمال [ 25 ] لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم " إلخ . وفي ( 10 : 9 ) منه : " لا تقتنوا ذهبا ولا فضة " - ماذا جرى لها في دينها حتى صارت أبرع الخلق في فنون الثروة ، والاقتصاد ، وأبعدها عن الإسراف ، والتبذير ، وسادت بالغنى والثروة على جميع أمم الأرض ؟ ألا وهي أمم الإفرنجة .

[ ص: 314 ] وكيف جاز أن يسمى ما نحن عليه مدنية إسلامية مع مخالفتنا للقرآن في هذا الأمر الذي هو قوام المدنية ، كما خالفه جماهيرنا في أكثر ما أرشد إليه ؟ وكيف جاز أن تسمى مدنيتهم مدنية مسيحية مع بناء تعاليم المسيح على المبالغة في الزهد وبغض المال ، كما هو صريح في هذه الأناجيل التي بين أيدي القوم يدعون اتباعها ، ويدعون إليها غيرهم ، وهم لها مخالفون ، وعنها معرضون ! ! !

أما السبب فيما نحن عليه من سوء الحال في دنيانا ، ومخالفة نص كتابنا فهو ظاهر معروف عند الباحثين ، وهو أننا أخذنا بالتقليد الذي حرمه الله علينا ، وتركنا هداية القرآن ، ونبذناه وراء ظهورنا ، وأخذنا في الأخلاق ، والآداب التي هي روح حياة الأمم بأقوال فلان وفلان من الجاهلين ، الذين لبسوا علينا بلباس الصالحين ، فنفثوا في الأمة سموم المبالغة في التزهيد ، والحث على إنفاق جميع ما تصل إليه اليد ، وإنما كان يريد أكثرهم إنفاق كسب الكاسبين عليهم ، وهم كسالى لا يكسبون ، لزعمهم أنهم بحب الله مشغولون !


وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما تدر لها ثعل



حتى صار من المعروف المقرر عند جميع شعوب المسلمين إدرار المال والرزق على علماء الدين ، وشيوخ الطريق " الصالحين " ، فهم يأكلون مال الأمة بدينهم ، ويرون أن لهم الفضل عليها بقبوله منها ، وإن قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الصحيحين : اليد العليا خير من اليد السفلى .

الأستاذ الإمام : في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال ، وتعريف بقيمته ، فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله ، وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم ، وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال ، فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس وغل أيديهم ، وإغرائهم بالكسل والخمول ، حتى صار المسلم يعدل عن الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش ، والحيلة ، والخداع ; ذلك أن الإنسان ميال بطبعه إلى الراحة ، فعندما يسمع من الخطباء ، والعلماء ، والمعروفين بالصلحاء عبارات التزهيد في الدنيا فإنه يرضي بها ميله إلى الراحة ، ثم إنه لا بد له من الكسب فيختار أقله سعيا ، وأخفه مؤنة ، وهو أخسه ، وأبعده عن الشرف ، على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة ، والاستعداد لها ، بل إن خطباءنا ، ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا وقطعوهن عن الآخرة فخسروا الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين ، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم عملهم بما يعظون به غيرهم ، والواجب على المسلم العارف بالإسلام أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث