الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 321 ] ( مسائل شتى من كتاب القضاء )

قال ( وإذا كان علو لرجل وسفل لآخر فليس لصاحب السفل أن يتد فيه وتدا ولا ينقب فيه كوة عند أبي حنيفة رحمه الله ) معناه بغير رضا صاحب العلو ( وقالا : يصنع ما لا يضر بالعلو ) وعلى هذا الخلاف إذا أراد صاحب العلو أن يبني على علوه . قيل ما حكي عنهما تفسير لقول أبي حنيفة رحمه الله فلا خلاف . وقيل [ ص: 322 ] الأصل عندهما الإباحة لأنه تصرف في ملكه والملك يقتضي الإطلاق والحرمة بعارض الضرر فإذا أشكل لم يجز المنع والأصل عنده الحظر لأنه تصرف في محل تعلق به حق محترم للغير كحق المرتهن والمستأجر والإطلاق بعارض فإذا أشكل لا يزول المنع على أنه لا يعرى عن نوع ضرر بالعلو من توهين بناء أو نقضه فيمنع عنه .

التالي السابق


( مسائل منثورة من كتاب القضاء )

( قوله وإذا كان علو لرجل وسفل لآخر فليس لصاحب السفل أن يتد فيه وتدا ، ولا ينقب فيه كوة عند أبي حنيفة رضي الله عنه : أي بغير رضا صاحب العلو ) وكذا ليس له أن يدخل فيه جذعا ، والاتفاق على أن ليس له أن يهدم سفله لما فيه من إبطال حق صاحب العلو في سكناه العلو ( وقالا : يصنع ما لا يضر بالعلو ، وعلى هذا الخلاف إذا أراد صاحب العلو أن يبني على علوه ) أو يضع عليه جذعا أو يشرع كنيفا . والكوة بفتح الكاف ويقال وتد وتدا يتده من باب ضربه ( قيل ما حكي عنهما تفسير لقول أبي حنيفة ) لأنه إنما يمنع ما فيه ضرر ظاهر لا ما لا ضرر فيه ( فلا خلاف ) بينهم ( وقيل ) بل بينهما خلاف وهو في محل وقوع الشك ، فما لا شك في عدم ضرره كوضع مسمار صغير أو وسط يجوز اتفاقا ، وما فيه ضرر ظاهر كفتح الباب ينبغي أن يمنع اتفاقا [ ص: 322 ] وما يشك في التضرر به كدق الوتد في الجدار والسقف فعندهما لا يمنع ، لأن ( الأصل ) فيه ( الإباحة لأنه تصرف في ملكه والحظر بعارض الضرر فإذا أشكل لم يجز المنع ) لأن اليقين لا يزال بالشك ; كما لو باع نصيبه من العبد المشترك يجوز ، ولو كاتب نصيبه لا يجوز ، وللشريك حق فسخه ( وعنده الأصل الحظر لأنه تصرف في محل تعلق به حق محترم للغير ) ولهذا يمنع من هدمه اتفاقا ، وتعلق حق الغير بملكه يمنع تصرفه به كالمرهون والمستأجر تعلق به حق المرتهن فمنع الراهن من التصرف فيه . وذكر شيخ الإسلام عن بعضهم أن على قول أبي حنيفة صاحب العلو لا يملك التصرف فيه وإن لم يضر بالسفل رواية واحدة .

وقال شيخ الإسلام أيضا : إذا أشكل تصرف صاحب العلو وهل يضر بالسفل أولا لا يملكه بالاتفاق .

وقال الصدر الشهيد : المختار أنه إذا أشكل لا يملكه ، وإذا لم يضر يملكه . وذكر قاضي خان : لو حفر صاحب السفل في ساحته بئرا وما أشبه ذلك ، عند أبي حنيفة له ذلك وإن تضرر به صاحب العلو ، وعندهما الحكم معلول بعلة الضرر ، وعلمت أن ليس لصاحب السفل هدمه ، فلو هدمه يجبر على بنائه لأنه تعدى على حق صاحب العلو وهو قرار العلو ، كالراهن إذا قتل المرهون والمولى إذا قتل عبده المديون ، وهذا أصل كلي ، كل من أجبر على أن يفعل مع شريكه فإذا فعل أحدهما بغير أمر شريكه فهو متطوع لأنه له طريق وهو المطالبة بالمشاركة في الفعل كنهر بينهما امتنع أحدهما عن كريه وكرى الآخر ، أو سفينة تتخوف الغرق أو بيت أو دار أو حمام أو طاحونة فأصلحه أحدهما أو عبد مشترك جنى ففداه أحدهما فهو متطوع لأن الآخر يجبر ، وإن كان لا يجبر لم يكن متطوعا كعلو لرجل وسفل لآخر وسقط السفل فبناه الآخر لا يكون متطوعا لأنه لا يجبر صاحب السفل على بنائه فكان في بنائه إياه مضطرا ليصل إلى حقه ، وإذا بناه وبنى عليه علوه له منع صاحب السفل من الانتفاع به والسكنى حتى يؤدي قيمته .

واختلف في أن القيمة هل تعتبر وقت البناء أو وقت الرجوع ، والصحيح وقت البناء . وإنما قلنا في الدار والبيت والطاحونة والحمام ما ذكرنا إذا كان يمكنه [ ص: 323 ] قسمة الساحة ليبني في نصيبه . وفي الخلاصة في الفصل الثاني في الحائط وعمارته قال : وذكر الخصاف أنه يرجع بما أنفق ، وهذا عندي في غاية الحسن إذا كان بقضاء .

ويجب أن لا يضمن لو علا بناء السفل على قدر ما كان عليه ذلك القدر ، أما إذا كانت الساحة صغيرة لا يمكن بناء ذلك فيها بعد القسمة فإنه إذا بنى لا يكون متطوعا ، وكذا إذا انهدم بعضه لأنه لا يمكن الانتفاع بنصيبه إلا ببنائه فلا يكون متطوعا . وفي فتاوى النسفي : دار لجارين سطح إحداهما أعلى ومسيل ماء العليا على الأخرى فأراد صاحب السفل أن يرفع سطحه أو يبني عليه له ذلك وليس للجار منعه ، ولكن يطالبه بتسييل مائه إلى طرف الميزاب .

وإذا انهدم السفل أو هدمه المالك ليس للآخر أن يكلفه العمارة لأجل إسالة الماء لكن يبني هو ويمنع صاحبه من الانتفاع انتهى . فرق بين حق التعلي وبين حق التسييل حيث لو هدم في الأول يجبر على البناء ، ولو هدم في الثاني لا يجبر . وفي الحائط بين اثنين لو كان لهما عليه خشب فبنى أحدهما للباني أن يمنع الآخر من وضع الخشب على الحائط حتى يعطيه نصف قيمة البناء مبنيا .

وفي الأقضية : حائط مشترك أراد أحدهما نقضه وأبى الشريك ; إن كان بحال لا يخاف سقوطه لا يجبر ، وإن كان بحيث يخاف عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل يجبر ، وإن هدماه وأراد أحدهما أن يبني وأبى الآخر إن كان أس الحائط عريضا يمكنه أن يبني حائطا في نصيبه بعد القسمة لا يجبر الشريك ، وإن كان لا يمكن يجبر كذا عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل وعليه الفتوى : وتفسير الجبر أنه إن لم يوافقه الشريك وأنفق على العمارة رجع على الشريك بنصف ما أنفق إن كان الحائط لا يقبل القسمة ، وفي شهادات فتاوى الفضلي : لو هدماه وامتنع أحدهما يجبر ، ولو انهدم لا يجبر ولكن يمنع من الانتفاع به ما لم يستوف نصف ما أنفق فيه إن فعل ذلك بقضاء القاضي ، وإن كان بلا قضاء فبنصف قيمة البناء انتهى .

فلو حمل ما تقدم من كون الرجوع بقيمة البناء على ما إذا كان بلا قضاء وقول الخصاف مع قول ابن الفضل بما أنفق على ما إذا كان بقضاء ارتفع الخلاف الظاهري . فليكن هو المحمل ، وهذا لأنه لما كان مضطرا في البناء كان له تضمين ما صرف لذلك غير أنه ليس مضطرا في ترك مراجعة من له الولاية على الشريك وهو القاضي فيرجع بالقيمة ، ولو كان الحائط صحيحا فهدم أحدهما بإذن الشريك لا شك أنه يجبر الهادم على البناء إن أراده الآخر كما لو هدماه وإن هدمه بغير إذن الشريك .

وفي كتاب الحيطان : رجل أراد أن يهدم داره ولأهل السكة ضرر لأنه يخرب السكة المختار أنه يمنع ، فلو هدم مع هذا وأنه يضر بالجيران إن كان قادرا على البناء يجبر على البناء ، قيل والأصح أنه لا يجبر . وفي كتاب الغصب من الخلاصة : رجل هدم داره فانهدم دار جاره لا يضمن .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث