الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


المطلب الخامس: الموازنة بين قصد الشارع وقصد المكلف:

إن تحقيق مقصد الشارع من الأحكام هو المرام من تنـزيل الأحكام، فكان لزاما على المكلف ألا يقصد بتصرفاته مناقضة قصد الشارع، فإذا ثبت ذلك عوقب بنقيض قصده، ويعتبر هذا النوع من القصد قصدا فاسدا، حيث تنعقد فيه إرادة الفاعل على التوسل بالأمور المشروعة في الظاهر لتحقيق أغراض ممنوعة شرعا.

ومؤدى هذا التوسل إلى الاحتيال على هدم الأحكام الشرعية ومناقضة قصد الشارع فيها، لما فيه من قلب مضامين الوسائل والتكاليف إلى ماينافي مراداتها الأصلية. [1] [ ص: 59 ]

وأهم ما يندرج في هذا الباب الحيل [2] ، وقد أولى الإمام ابن تيمية عناية كبيرة للحيل، فخصص لها كتابا كاملا وهو بيان الدليل؛ نظرا لأن نكاح التحليل استفـحل في عصره مما جعل منه ظاهرة حاول الإمام محاربتها والحد منها.

- تعريف الحيل:

أ - التعريف المعجمي:

الحيلة مشتقة من التحول، وهو النوع من الحول كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود، وكالأكلة والشربة من الأكل والشرب، ومعناها نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي هو التحول من حال إلى حال. [3]

ب - التعريف المصطلحي:

يعرفها الإمام ابن تيمية بقـوله: "غلبت في عرف الاستعـمال على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فإن كان المقصود أمرا حسنا كانت حيلة حسنة، وإن كان قبيحا كانت قبيحة" [4] .

وتعريف الإمام ابن تيمية يظهر أن هناك من الحيل ماهو جائز، ولكنه قليل، فـ"لو فرض أن شيئا من الحيل تجرد في حق بعض الأشخاص عن هذا [ ص: 60 ] اللازم لكان ذلك صورا قليلة، فيجب أن يتعلق الحكم بالغالب، ثم أقل ما فيها أنها مظنة لذلك، والحكمة إن كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها" [5] .

- أنواع الحيل:

الحيل الجائزة:

ويمثل الإمام ابن تيمية للحيل الجائزة بقوله: "فلو احتال المؤمن المستضعف على التخلص من بين الكفار لكان محمودا في ذلك، ولو احتال مسلم على هزيمة الكفار كما فعل نعيم بن مسعـود يوم الخندق، أو على أخـذ ماله منهم كما فعله الحجاج بن علاط، أو على قتل عـدو الله ورسوله كما فعله النفر الذين احتالوا على ابن الحقيق اليهودي، وعلى قتل كعب بن الأشرف إلى غير ذلك لكان محمودا... وللناس في التلطف وحسن التحيل على حصول مافيه رضى الله ورسوله، أو دفع ما يكيد الإسلام وأهله سعي مشكور" [6] ، "وبالجملة يجوز للإنسان أن يظهر قولا أو فعلا مقصـوده به صالح، وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية مثل دفع ظلم عن نفسـه أو عن مسـلم أو دفع الكفار عن المسـلمين أو الاحتيـال على إبطـال حيلة محرمة أو نحو ذلك، فهذه حيلة جائزة". [7] [ ص: 61 ]

فهـذا ضرب من الحيل الجـائزة إلا أنه قليل، لذلك إذا أطلق مصطلـح "الحيل" دون تقييـد فإنه يقصد به المحرمة، ذلك أنه "لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت قصد بها الحيل التي يستحـل بها المحارم، كحيل اليهود، وكل حيلة تضمنت إسقاط حق الله أو لآدمي، فهي تندرج فيما يستحل به المحارم، فإن ترك الواجب من المحارم، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحرب خدعة" [8] .

يقول الإمام ابن تيمية عن الحيـل: "الحيلة أن يقصد سقوط الواجب، أو حل الحرام بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له، أو ما شرع له، فهو يريد تغيير الأحكام الشرعية بأسباب لم يقصد بها ما جعلت تلك الأسباب له، وهو يفعل تلك الأسباب لأجل ما هو تابع لها، لا لأجل ما هو المتبوع المقصود بها، بل يفعل السبب لما ينافي قصده من حكم السبب، فيصير بمنـزلة من طلب ثمرة الفعل الشرعي ونتيجته، وهو لم يأت بقوامه وحقيقته فهذا إخداع واستهزاء بآيات الله" [9] . [ ص: 62 ]

- أسباب الوقوع في الحيل:

قال الإمام: "وتأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل، فوجدته: أحد شيئين: إما ذنوب جوزوا عليها بتضييق في أمورهم، فلم يستطيعوا دفع هذا الضيق إلا بالحيل، فلم تزدهم الحيل إلا بلاء، كما جرى لأصحاب السبت من اليهود، كما قال تعالى: ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) (النساء:160)، وهذا الذنب ذنب عملي. وإما مبالغة في التشديد لما اعتقدوه من تحريم الشارع، فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل، وهذا من خطأ الاجتهاد" [10] ، "فالسبب الأول: هو الظلم، والسبب الثاني: هو عدم العلم. والظلم والجهل هما وصف للإنسان المذكور في قوله تعالى: ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) (الأحزاب:72)" [11] .

- علاقة المقاصد بالحيل:

يعتبر الإمام ابن تيمية المحتال بأنه ساع في دين الله بالفساد من وجهين:

الأول: أن الأمر المحتال عليه أبطل ما فيه من حكمة الشارع ونقض حكمه فيه.

الثاني: أن الأمر المحتال به لم يكن حقيقة، ولا كان مقصودا بحيث يكون ذلك محصلا لحكمة الشارع فيه ومقصودا به، فصار مفسدة لسعيه في حصول المحتال عليه [12] . [ ص: 63 ]

وأن المحتال مخادع لله ورسوله، وأن الحيل إنما يستحلها من لم يفقه حكمة الشارع، ومن هو أبعد الناس عن رعاية مقصود الشارع وعن معرفة العلل والمعاني وعن الفقه في الدين [13] .

فيفهـم من كلامـه، رحمه الله، أن علاقة الحيل بالمقاصد تتمحور حول أمرين:

1- أن انتهاج الحيل واتباعها يمثل مناقضة للشارع ومخادعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وإبطالا لمقاصد الشريعة وحكمها ومحاسنها.

2- أن الجهل بحكم الشارع ومقاصده ومعرفة العلل والمعاني من أسباب اتباع الحيل.

وهناك أمر ثالث وهو أن المنع من الحيل يمثل توافق الشريعة وانضباطها وعدم تناقضها واضطرابها، فيستحيل عقلا وشرعا أن يسد الشرع وسائل الفساد وطرقه من جهة، ثم يفتحها من جهة أخرى، فإن هذا لهو وعبث والشارع منـزه عن العبث [14] . [ ص: 64 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث