الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى بعد الصلاة

143 - الحديث الثاني : عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : { خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى بعد الصلاة ، فقال : من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له . فقال أبو بردة بن نيار - خال البراء بن عازب - يا رسول الله ، إني نسكت شاتي قبل الصلاة . وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب . وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي . فذبحت شاتي ، وتغذيت قبل أن آتي الصلاة . فقال : شاتك شاة لحم . قال : يا رسول الله ، فإن عندنا عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزي عني ؟ قال : نعم ، ولن تجزي عن أحد بعدك } .

التالي السابق


" البراء بن عازب بن الحارث بن عدي ، أبو عمارة - ويقال : أبو عمر - أنصاري . أوسي . نزل الكوفة ، ومات بها في زمن مصعب بن الزبير . متفق على إخراج حديثه . [ ص: 344 ] وأبو بردة بن نيار اسمه هانئ بن نيار ، وقيل هانئ بن عمرو . وقيل : الحارث بن عمر . وقيل : مالك بن زهير . ولم يختلفوا أنه من بلي . وينسبونه : هانئ بن عمرو بن نيار . كان عقبيا بدريا ، شهد العقبة الثانية مع السبعين ، في قول جماعة من أهل السير . وقال الواقدي : إنه توفي في أول خلافة معاوية .

والحديث : دليل على الخطبة لعيد الأضحى . ولا خلاف فيه . وكذلك هو دليل على تقديم الصلاة عليها ، كما قدمناه . " والنسك " هنا يراد به : الذبيحة . وقد يستعمل فيها كثيرا . واستعمله بعض الفقهاء في نوع خاص ، هو الدماء المراقة في الحج . وقد يستعمل فيما هو أعم من ذلك من نوع العبادات . ومنه يقال : فلان ناسك ، أي متعبد . وقوله { من صلى صلاتنا ونسك نسكنا } أي مثل صلاتنا ، ومثل نسكنا . وقوله " فقد أصاب النسك " معناه والله أعلم فقد أصاب مشروعية النسك ، أو ما قارب ذلك . وقوله " من نسك قبل الصلاة فلا نسك له " يقتضي أن ما ذبح قبل الصلاة لا يقع مجزيا عن الأضحية . ولا شك أن الظاهر من اللفظ : أن المراد قبل فعل الصلاة . فإن إطلاق لفظ " الصلاة " وإرادة وقتها : خلاف الظاهر . ومذهب الشافعي : اعتبار وقت الصلاة ووقت الخطبتين . فإذا مضى ذلك دخل وقت الأضحية . ومذهب غيره : اعتبار فعل الصلاة والخطبتين . وقد ذكرنا أنه الظاهر . [ ولعل منشأ النظر في هذا : أن الألف واللام هل يراد بها تعريف الحقيقة ؟ . فإذا أريد بها تعريف الحقيقة جاز ما قاله غير الشافعي . وإذا أريد بها تعريف العهد : انصرف إلى صلاة الرسول ، ولا يمكن اعتبار حقيقة ذلك الفعل في حق من ذبح بعد تلك الصلاة في غير ذلك الوقت . فتعين اعتبار مقدار وقتها ] .

والحديث نص على اعتبار الصلاة . ولم يتعرض لاعتبار الخطبتين ، لكنه لما كانت الخطبتان مقصودتين في هذه العبادة اعتبرهما الشافعي . وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم { شاتك شاة لحم } دلالة على إبطال كونها نسكا . وفيه [ ص: 345 ] دليل أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر : لم يعذر فيها بالجهل . وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات . فعذروا في المنهيات بالنسيان والجهل ، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة . وفرق بينهما بأن المقصود من المأمورات : إقامة مصالحها . وذلك لا يحصل إلا بفعلها . والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها ، امتحانا للمكلف بالانكفاف عنها . وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها ، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي : فعذر بالجهل فيه . وقوله { ولن تجزي عن أحد بعدك } الذي اختير فيه فتح التاء ، بمعنى تقضي يقال : جزى عني كذا : أي قضى . وذلك أن الذي فعله لم يقع نسكا ، فالذي يأتي بعده لا يكون قضاء عنه ، وقد صرح في الحديث بتخصيص أبي بردة بإجزائها في هذا الحكم عما سبق ذبحه ، فامتنع قياس غيره عليه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث