الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في التفضيل بين الملائكة والناس

[ ص: 350 ] قال شيخ الإسلام : فصل في المسألة المشهورة بين الناس في " التفضيل بين الملائكة والناس " قال : الكلام إما أن يكون في التفضيل بين الجنس : الملك والبشر ; أو بين صالحي الملك والبشر . أما الأول وهو أن يقال : أيما أفضل : الملائكة أو البشر ؟ فهذه كلمة تحتمل أربعة أنواع : - النوع الأول أن يقال : هل كل واحد من آحاد الناس أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة ؟ فهذا لا يقوله عاقل فإن في الناس : الكفار والفجار والجاهلين والمستكبرين والمؤمنين وفيهم من هو مثل البهائم والأنعام السائمة بل الأنعام أحسن حالا من هؤلاء كما نطق بذلك القرآن في مواضع مثل قوله تعالى . { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون } وقال [ ص: 351 ] تعالى : { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون } وقال : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } والدواب جمع دابة وهو كل ما دب في سماء وأرض من إنس وجن وملك وبهيمة ففي القرآن ما يدل على تفضيل البهائم على كثير من الناس في خمس آيات .

وقد وضع " ابن المرزبان " كتاب ( تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب وقد جاء في ذلك من المأثور ما لا نستطيع إحصاءه مثل ما في مسند أحمد : { رب مركوبة أكثر ذكرا من راكبها } " . وفضل البهائم عليهم من وجوه : أحدها : أن البهيمة لا سبيل لها إلى كمال وصلاح أكثر مما تصنعه والإنسان له سبيل لذلك فإذا لم يبلغ صلاحه وكماله الذي خلق له بان نقصه وخسرانه من هذا الوجه .

وثانيها : أن البهائم لها أهواء وشهوات : بحسب إحساسها وشعورها ولم تؤت تمييزا وفرقانا بين ما ينفعها ويضرها والإنسان قد أوتي ذلك . وهذا الذي يقال : الملائكة لهم عقول بلا شهوات والبهائم لها شهوات بلا عقول والإنسان له شهوات وعقل . فمن غلب عقله شهوته فهو أفضل من الملائكة أو مثل الملائكة ومن غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه . [ ص: 352 ]

وثالثها : أن هؤلاء لهم العقاب والنكال والخزي على ما يأتونه من الأعمال الخبيثة فهذا يقتل وهذا يعاقب وهذا يقطع وهذا يعذب ويحبس هذا في العقوبات المشروعة . وأما العقوبات المقدرة فقوم أغرقوا وقوم أهلكوا بأنواع العذاب وقوم ابتلوا بالملوك الجائرة : تحريقا وتغريقا وتمثيلا وخنقا وعمى . والبهائم في أمان من ذلك .

ورابعها : أن لفسقة الجن والإنس في الآخرة من الأهوال والنار والعذاب والأغلال وغير ذلك مما أمنت منه البهائم ما بين [ فضل البهائم على هؤلاء ] إذا أضيف إلى حال هؤلاء .

وخامسها : أن البهائم جميعها مؤمنة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم مسبحة بحمده قانتة له وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " { أنه ليس على وجه الأرض شيء إلا وهو يعلم أني رسول الله إلا فسقة الجن والإنس } "

. النوع الثاني أنه يقال : مجموع الناس أفضل من مجموع الملائكة من غير توزيع الأفراد وهذا على القول بتفضيل صالحي البشر على الملائكة فيه نظر ; لا علم لي بحقيقته فإنا نفضل مجموع القرن الثاني على القرن الثالث مع علمنا أن كثيرا من أهل القرن الثالث أفضل من كثير من أهل القرن الثاني . [ ص: 353 ]

النوع الثالث أنا إذا قابلنا الفاضل بالفاضل والذي يلي الفاضل بمن يليه من الجنس الآخر فأي القبيلين أفضل ؟ فهذا مع القول بتفضيل صالحي البشر يقال : لا شك أن المفضولين من الملائكة أفضل من كثير من البشر وفاضل البشر أفضل من فاضليهم لكن التفاوت الذي بين " فاضل الطائفتين " أكثر والتفاوت بين " مفضولهم " هذا غير معلوم والله أعلم بخلقه .

النوع الرابع أن يقال : حقيقة الملك والطبيعة الملكية أفضل أم حقيقة البشر والطبيعة البشرية ؟ وهذا كما أنا نعلم أن حقيقة الحي إذ هو حي أفضل من الميت وحقيقة القوة والعلم من حيث هي كذلك أفضل من حقيقة الضعف والجهل وحقيقة الذكر أفضل من حقيقة الأنثى وحقيقة الفرس أفضل من حقيقة الحمار وكان في نوع المفضول ما هو خير من كثير من أعيان النوع الفاضل : كالحمار والفأرة والفرس الزمن والمرأة الصالحة مع الرجل الفاجر والقوي الفاجر مع الضعيف الزمن . والوجه في انحصار القسمة في هذه الأنواع - فإن كثيرا من الكلمات المهمة تقع الفتيا فيها مختلفة والرأي مشتبها لفقد التمييز والتفضيل - أن كل شيء إما أن نقيده من جهة الخصوص أو العموم أو الإطلاق . فإذا قلت : بشر [ ص: 354 ] وملك . وإما أن تريد هذا البشر الواحد فيكون خاصا أو جميع جنس البشر فيكون عاما أو تريد البشر مطلقا مجردا عن قيد العموم والخصوص وضبطه القليل والكثير والنوع الأول في التفضيل عموما وخصوصا والثاني عموما والثالث خصوصا والرابع في الحقيقة المطلقة المجردة .

فنقول حينئذ : المسألة على هذا الوجه لست أعلم فيها مقالة سابقة مفسرة وربما ناظر بعض الناس على تفضيل الملك وبعضهم على تفضيل البشر وربما اشتبهت هذه المسألة بمسألة التفضيل بين الصالح وغيره . لكن الذي سنح لي - والله أعلم بالصواب - أن حقيقة الملك أكمل وأرفع وحقيقة الإنسان أسهل وأجمع . وتفسير ذلك : أنا إذا اعتبرنا الحقيقتين وصفاتهما النفسية والتبعية : اللازمة الغالبة الحياة والعلم والقدرة : في اللذات والشهوات وجدنا أولا خلق الملك أعظم صورة ومحله أرفع وحياته أشد وعلمه أكثر وقواه أشد وطهارته ونزاهته أتم ونيل مطالبه أيسر وأتم وهو عن المنافي والمضاد أبعد لكن تجد هذه الصفات للإنسان - بحسب حقيقته - منها أوفر حظ ونصيب من الحياة والخلق والعلم والقدرة والطهارة وغير ذلك .

وله أشياء ليست للملك من إدراكه دقيق الأشياء : حسا وعقلا وتمتعه بما يدركه ببدنه وقلبه وهو يأكل ويشرب وينكح ويتمنى ويتغذى [ ص: 355 ] ويتفكر إلى غير ذلك من الأحوال التي لا يشاركه فيها الملك . لكن حظ الملك من القدر المشترك الذي بينهما أكثر وما اشتركا فيه من الأمور أفضل بكثير مما اختص به الإنسان . "

مثاله " : مثل رجل معه مائة دينار وآخر معه خمسون درهما أو خمسون دينارا أو خمسون فلسا وإذا كان الأمر كذلك ففصل الجواب كما سبق . وإن أردت الإطلاق : فالحقيقة الملكية بلوازمها أفضل من الحقيقة الإنسانية بلوازمها هذا لا شك فيه فإنما يلزم حقيقة الإنسان من حياة وحس وعلم وعمل ونيل لذة وإدراك شهوة ليست بشيء . وإنما تعددت أصنافه إلى ما يشبه حقيقة الملك ; كحال من علم من كل شيء طرفا ليس بالكثير إلى حال من أتقن العلم بالله وبأسمائه وآياته ولا يشبه حال من معه درهم إلى حال من معه درة ولا يشبه حال من يسوس الناس كلهم إلى حال من يسوس إنسانا وفرسا .

وقد دل على هذا دلالة بينة قوله تعالى { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } فدل على أنهم لم يفضلوا على الجميع وقوله : { ممن } للتبعيض . فإن قلت : هذا الاستدلال مفهوم للمخالف وأنت مخالف لهذا منازع فيه . [ ص: 356 ] فيقال لك : تخصيص الكثير بالذكر لا يدل على مخالفة غيره بنفي ولا إثبات وأيضا فإن مفهومه : أنهم لم يفضلوا على ما سوى الكثير فإذا لم يفضلوا فقد يساوون بهم وقد يفضل أولئك عليهم فإن الأحوال ثلاثة : إما أن يفضلوا على من بقي أو يفضل أولئك عليهم أو يساوون بهم .

قال : واختلاف الحقائق والذوات لا بد أنها تؤثر في اختلاف الأحكام والصفات وإذا اختلفت حقيقة البشر والملك فلا بد أن يكون أحد الحقيقتين أفضل فإن كونهما متماثلتين متفاضلتين ممتنع . وإذا ثبت أن أحدهما أفضل بهذه القضية المعقولة ; وثبت عدم فضل البشر بتلك الكلمة الإلهية ; ثبت فضل الملك وهو المطلوب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث