الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

طلب الوديعة ربها فحبسها قادرا على تسليمها فمنعها

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله وإن طلبها ربها فحبسها قادرا على تسليمها فمنعها ) يعني لو منع صاحب الوديعة بعد طلبه وهو قادر على تسليمها يكون ضامنا لأنه ظالم بالمنع حتى لو لم يكن ظالما بالمنع لا يضمن ولهذا قال قاضي خان في فتاويه لو كانت الوديعة سيفا فأراد صاحبه أن يأخذه من المودع ليضرب به رجلا ظلما فإنه لا يدفعه إليه لما فيه من الإعانة على الظلم ولو أودعت كتابا فيه إقرار منها للزوج بمال أو بقبض مهرها من الزوج فللمودع أن لا يدفع الكتاب إليها لما فيه من ذهاب حق الزوج . ا هـ .

ومن المنع ظلما موته مجهلا ولهذا قال قاضي خان الأمانات تنقلب مضمونة عن تجهيل إلا في ثلاث أحدها متولي المسجد إذا أخذ من غلات المسجد ومات من غير بيان لا يكون ضامنا والثانية السلطان إذا خرج إلى الغزو وغنموا وأودع بعض الغنيمة عند بعض الغانمين ومات ولم يبين عند من أودع لا ضمان عليه والثالثة القاضي إذا أخذ مال اليتيم وأودع غيره ثم مات ولم يبين عند من أودع لا ضمان عليه ولو أن قاضيا قبل مال اليتيم ووضعه في بيته ثم مات القاضي ولم يبين ذكر هشام عن محمد أنه يضمن ا هـ .

وذكر الولوالجي في فتاويه أن الأمانات تنقلب مضمونة بالتجهيل إلا في ثلاثة ولم يذكر مسألة القاضي وذكر بدلها ما ذكره محمد في كتاب الشركة أحد المتفاوضين إذا مات ولم يبين حال المال الذي في يده لم يضمن نصيب شريكه ا هـ .

فتحصل أن المسائل المستثناة أربعة وقيد في الخلاصة ضمان المودع بموته مجهلا بأن لا يعرفها الوارث أما إذا عرفها والمودع يعلم أنه يعرف فمات ولم يبين لم يضمن ولو قال الوارث أنا علمتها وأنكر الطالب إن فسر الوديعة وقال الوديعة كذا وأنا علمتها وقد هلكت صدق هذا وما لو كانت الدراهم عنده فقال هلكت سواء إلا في خصلة وهي أن الوارث إذا دل السارق على الوديعة لا يضمن والمودع إذا دل ضمن وقيد بقوله قادرا على تسليمها لأنه لو منعها للعجز عن التسليم [ ص: 276 ] لا يضمن فلو طلبها منه فقال لا يمكنني أن أحضرها الساعة فتركها وذهب إن ترك عن رضا وذهب لا يضمن لأنه لما ذهب فقد أنشأ الوديعة وإن كان عن غير رضا يضمن كذا في الخلاصة وينبغي أن يكون محل هذا التفصيل ما إذا كان المودع يمكنه وكان كاذبا في قوله أما إذا كان صادقا فلا يضمن مطلقا لما قلنا ولو كان الذي طلبها وكيلا يضمن لأنه ليس له إنشاء الوديعة بخلاف المالك ولو قال له بعد طلبه اطلبها غدا ثم ادعى ضياعها فإن قال ضاعت بعد الإقرار لا ضمان وإلا ضمن .

ولو قال له احملها إلي اليوم فمضى ولم يحملها لا يضمن لأن مؤنة الرد على المالك ولو منعها من رسول المالك وقال لا أدفعها إلا إلى الذي جاء بها لا يضمن على ظاهر الرواية كمنعه بعد قوله من جاءك وبين علامة كذا فادفعها إليه فبين رجل تلك العلامة ولم يدفع إليه حتى هلكت لا يضمن ومنعه منه وديعة عبده لا يكون ظلما لأن المولى ليس له قبض وديعة عبده مأذونا كان أو محجورا ما لم يحضر ويظهر أنه من كسبه لاحتمال أنه مال الغير وديعة فإذا ظهر أنه للعبد بالبينة فحينئذ يأخذ كذا في الخلاصة

[ ص: 276 ]

التالي السابق


[ ص: 276 ] ( قوله وينبغي أن يكون محل هذا التفصيل إلخ ) فيه نظر لما في التجنيس أنه لو طلبها بوكيله أو رسوله فحبسها لا يضمن فتأمل وانظر إلى ما ذكره بعيده من قوله من جاءك وبين علامة كذا إلخ كذا رأيت بخط بعضهم وفيه نظر إذ فرع التجنيس وفرع من جاءك بعلامة كذا يحج بأنه إنما منعه ليوصلها إلى الأصيل بنفسه لتكذيبه إياه وفرع الخلاصة فيه المنع للعجز عن التسليم والترك والذهاب عن رضا إلى وقت آخر وفيه إنشاء إيداع بخلاف الأول حتى لو كذبه في الفرع الذي نفقه فيه مع ذلك والمسألة بحالها لا يضمن فتأمل كذا في حاشية الرملي ( قوله ولو كان الذي طلبها وكيل يضمن ) قال الرملي قال في الخلاصة المالك إذا طلب الوديعة فقال المودع لا يمكنني أن أحضرها الساعة فتركها وذهب إن تركها عن رضا فهلكت لا يضمن لأنه لما ذهب فقد أنشأ الوديعة وإن كان عن غير رضا يضمن ولو كان الذي طلب الوديعة وكيل المالك يضمن لأنه ليس له إنشاء الوديعة بخلاف المالك . ا هـ .

وهذا صريح في أنه يضمن بعدم الدفع إلى وكيل المالك كما لا يخفى وفي العمادية معزيا إلى الظهيرية ورسول المودع إذا طلب الوديعة فقال لا أدفع إلا للذي جاء بها ولم يدفع إلى الرسول حتى هلكت ضمن وذكر في فتاوى قاضي ظهير هذه المسألة وأجاب نجم الدين أنه يضمن وفيه نظر بدليل أن المودع إذا صدق من ادعى أنه وكيل يقبض الوديعة فإنه قال في الوكالة لا يؤمر بدفع الوديعة إليه ولكن لقائل أن يفرق بين الوكيل والرسول لأن الرسول ينطق على لسان المرسل ولا كذلك الوكيل ألا ترى أنه لو عزل الوكيل قبل علم الوكيل بالعزل لا يصح ولو رجع عن الرسالة قبل علم الرسول بالرجوع صح كذا في فتاواه ا هـ .

أقول : ظاهر ما نقله في الفصول العمادية معزيا إلى قاضي ظهير أنه لا يضمن في مسألة الوكيل كما هو منقول عن التجنيس فهو مخالف لما في الخلاصة كما هو ظاهره ويتراءى لي التوفيق بين القولين بأن يحمل ما في الخلاصة على ما إذا قصد الوكيل إنشاء الوديعة عند المودع بعد منعه ليدفع له في وقت آخر وما في فتاوى قاضي ظهير والتجنيس على ما إذا منع ليؤدي إلى المودع بنفسه ولذلك قال في جوابه إلا للذي جاء بها وفي الخلاصة ما هو صريح في أن الوكيل تركها وذهب عن رضا بعد قول المودع لا يمكنني أن أحضرها الساعة أي وأدفعها لك في غير هذه الساعة فإذا فارقه فقد أنشأ الإيداع وليس له ذلك بخلاف قوله لا أدفعها إلا للذي جاء بها فإنه استبقاء للإيداع الأول لا إنشاء إيداع فتأمل ولم أر من تعرض لهذا التوفيق والله تعالى هو الموفق ا هـ .

( قوله فإن قال ضاعت بعد الإقرار ) أي الإقرار ضمنا في قوله اطلبها غدا وقوله بعد الإقرار ظرف لضاعت لا لقال وفي جامع الفصولين طلبها ربها فقال اطلبها غدا فقال في الغد تلفت قبل قولي اطلبها غدا ضمن لتناقضه لا بعده ا هـ . والمسألة في الخانية أيضا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث