الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 364 ] ( كتاب الشهادات )

[ ص: 365 ] ( قال : الشهادة فرض تلزم الشهود ولا يسعهم كتمانها إذا طالبهم المدعي ) لقوله تعالى { ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا } وقوله تعالى { ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } [ ص: 366 ] وإنما يشترط طلب المدعي لأنها حقه فيتوقف على طلبه كسائر الحقوق . .

التالي السابق


( كتاب الشهادات )

يتبادر أن تقديمها على القضاء أولى لأن القضاء موقوف عليها ، إذ كان ثبوت الحق بها إلا أنه لما كان القضاء هو المقصود من الشهادة قدمه تقدمة للمقصود على الوسيلة . والشهادة لغة ، إخبار قاطع ، وفي عرف أهل الشرع إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء فتخرج شهادة الزور فليست شهادة .

وقول القائل في مجلس القاضي أشهد برؤية كذا لبعض العرفيات . وسبب وجوبها طلب ذي الحق أو خوف فوت حقه ، فإن من عنده شهادة لا يعلم بها صاحب الحق وخاف فوت الحق يجب عليه أن يشهد بلا طلب . وشرطها البلوغ والعقل والولاية ، فخرج الصبي والعبد والسمع والبصر للحاجة إلى التمييز بين المدعي والمدعى عليه ، ولم يذكر الإسلام لأن الدين أصل الشهادة في الجملة . وركنها اللفظ الخاص الذي هو متعلق للإخبار . وحكمها وجوب الحكم على القاضي والقياس يأبى جوازها لكنه ترك بقوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ونظائره من الكتاب [ ص: 365 ] والسنة كثيرة ، وسببية الطلب ثبتت بقوله تعالى { ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا } وسببية خوف الفوت بالمعنى وهو أن سببية الطلب إنما ثبتت كي لا يفوت الحق ( قوله الشهادة فرض ) يعني أداءها بعد التحمل ، فإنها تقال للتحمل كما يقال للأداء في العرف من غير ملاحظة المتكلم مسوغا للإطلاق في قصد التحمل فيكون معتبرا مشتركا لفظيا عند عرف أهل التكلم وافتراض الأداء إلا في الحدود مجمع عليه وقوله تعالى { ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا } محتمل أن يراد النهي عن الإباء عن التحمل إذا دعي إليه ، ويكون اسم الشهداء مجازا فيمن سيتصف بالشهادة فيكون النهي لكراهة الإباء عن التحمل كراهة تنزيه ومرجعها خلاف الأولى لأن التحمل لما فيه من إعانة المسلم [ ص: 366 ] على حفظ حقه أولى .

ويحتمل أن يراد نهي مسمى الشهداء عن الإباء ، وحقيقة الشهداء من اتصف بالشهادة فيكون نهي من اتصف بالشهادة حقيقة عن الإباء إذا ادعى ، ولا اتصاف قبل الدعاء إلا بالتحمل فيلزم كون النهي عن إباء الأداء وهو الراجح لما فيه من المحافظة على حقيقة اللفظ ، والأداء المفروض لا يكون إلا عند الحاكم فقد فرض سبحانه وتعالى على المتحمل أن يذهب إذا دعي إلى الحاكم للأداء .

وقال الله تعالى { ولا تكتموا الشهادة } وهو تحريم الكتمان عن القاضي فيكون الإظهار للقاضي وهو الأداء فرضا عليهم لأنه الضد الذي لا يتحقق الانتهاء عن المحرم الذشي هو الكتمان إلا به ، ثم أكد سبحانه التحريم المفاد بالنهي بقوله تعالى { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } وهو تأكيد في تأكيد ، لأن قوله تعالى فإنه آثم تأكيد ، وإضافة الإثم إلى القلب الذي هو أشرف أعضاء البدن ورئيسها تأكيد في تأكيد .

ولأنه هو محل الكتمان فهو محل المعصية بتمامها هنا ، بخلاف سائر المعاصي التي تتعلق بالأعضاء الظاهرة فإنها وإن كانت مسبوقة بمعصية القلب وهو الهم المتصل بالفعل فليس هو محلا لتمامها .

قالوا : يلزم إذا كان مجلس القاضي قريبا ، فإن كان بعيدا . فعن نصر : إن كان بحال يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه يجب لأنه لا ضرر عليه ، ولو كان شيخا لا يقدر على المشي فأركبه الطالب لا بأس به ، وعن أبي سليمان فيمن أخرج الشهود إلى ضيعة فاستأجر لهم حميرا فركبوها لا تقبل شهادتهم ، وفيه نظر ، لأنها العادة وهي إكرام الشهود وهو مأمور به وفصل في النوازل بين كون الشاهد شيخا لا يقدر على المشي ولا يجد ما يستأجره دابة فتقبل وما ليس كذلك فلا تقبل ، ولو وضع للشهود طعاما فأكلوا إن كان مهيأ قبل ذلك تقبل ، وإن صنعه لأجلهم لا تقبل .

وعن محمد لا تقبل فيهما . وعن أبي يوسف رحمه الله : تقبل فيهما ، وهو الأوجه للعادة الجارية بإطعام من حل محل الإنسان ممن يعز عليه شاهدا أو لا ، ويؤنسه ما تقدم من أن الإهداء إذا كان بلا شرط ليقضي حاجته عند الأمير يجوز كذا قيل ، وفيه نظر ، فإن الأداء فرض ، بخلاف الذهاب إلى الأمير . وعند الفقيه أبي بكر فيمن لا يعرفه القاضي إن علم أن القاضي لا يقبله نرجو أن يسعه أن لا يشهد .

وفي العيون : إن كان في الصك جماعة تقبل شهادتهم وسعه أن يمتنع ، وإن لم يكن أو كان لكن قبولها مع شهادته أسرع وجب . وقال شيخ الإسلام : إذا دعي فأخر بلا عذر ظاهر ثم أدى لا تقبل لتمكن التهمة فيه إذ يمكن أن تأخيره بعذر ويمكن أنه لاستجلاب الأجرة انتهى . [ ص: 367 ] والوجه أن تقبل ويحمل على العذر من نسيان ثم تذكر أو غيره

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث