الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


سورة النجم .

بسم الله الرحمن الرحيم .

قال تعالى : ( والنجم إذا هوى ( 1 ) ما ضل صاحبكم وما غوى ( 2 ) وما ينطق عن الهوى ( 3 ) ) .

قوله تعالى : ( إذا هوى ) : العامل في الظرف فعل القسم المحذوف ؛ أي أقسم بالنجم ، وجواب القسم " ما ضل " .

و ( عن ) : على بابها ؛ أي لا يصدر نطقه عن الهوى . وقيل : هو بمعنى الباء .

قال تعالى : ( إن هو إلا وحي يوحى ( 4 ) علمه شديد القوى ( 5 ) ) .

قوله تعالى : ( علمه ) : صفة للوحي ؛ أي علمه إياه .

قال تعالى : ( ذو مرة فاستوى ( 6 ) وهو بالأفق الأعلى ( 7 ) ثم دنا فتدلى ( 8 ) فكان قاب قوسين أو أدنى ( 9 ) ) .

قوله تعالى : ( فاستوى ) : أي فاستقر . " وهو " مبتدأ ، و " بالأفق " خبره ، والجملة حال من فاعل " استوى " .

وقيل : هو معطوف على فاعل " استوى " وهو ضعيف ؛ إذ لو كان كذلك لقال تعالى : فاستوى هو وهو ؛ وعلى هذا يكون المعنى فاستويا بالأفق ؛ يعني محمدا وجبريل صلوات الله عليهما . وألف " قاب " مبدلة من واو ، و " أو " على الإبهام ؛ أي لو رآه الرائي لالتبس عليه مقدار القرب .

قال تعالى : ( ما كذب الفؤاد ما رأى ( 11 ) أفتمارونه على ما يرى ( 12 ) ولقد رآه نزلة أخرى ( 13 ) عند سدرة المنتهى ( 14 ) عندها جنة المأوى ( 15 ) ) .

قوله تعالى : ( ما كذب الفؤاد ) : يقرأ بالتخفيف ، و " ما " : مفعوله ؛ أي ما كذب الفؤاد الشيء الذي رأت العين ؛ أو ما رأى الفؤاد .

[ ص: 425 ] ويقرأ بالتشديد ، والمعنى قريب من الأول . و ( تمارونه ) : تجادلونه . و ( تمرونه ) : تجحدونه . و ( نزلة ) : مصدر ؛ أي مرة أخرى ؛ أو رؤية أخرى . ( عند ) : ظرف لرأى . و ( عندها ) : حال من السدرة .

ويقرأ : جنه على أنه فعل ؛ وهو شاذ ، والمستعمل أجنه .

قال تعالى : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ( 16 ) ما زاغ البصر وما طغى ( 17 ) لقد رأى من آيات ربه الكبرى ( 18 ) ) .

قوله تعالى : ( إذ ) : ظرف زمان لرأى .

و ( الكبرى ) : مفعول رأى .

وقيل : هو نعت لآيات ، والمفعول محذوف ؛ أي شيئا من آيات ربه .

قال تعالى : ( أفرأيتم اللات والعزى ( 19 ) ومناة الثالثة الأخرى ( 20 ) ) .

و ( اللات ) : تكتب بالتاء والهاء . وكذلك الوقف عليه ، والألف واللام فيه ، وفي " العزى " زائدة ؛ لأنهما علمان .

وقيل : هما صفتان غالبتان ، مثل الحارث والعباس ، فلا تكون زائدة .

وأصل اللات لوية ؛ لأنه من لوى يلوي ، فحذفت الياء ، وتحركت الواو وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا . وقيل : ليس بمشتق .

وقيل : مشتق من لات يليت ، فالتاء على هذا أصل .

وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما بتشديد التاء ، قالوا : وهو رجل كان يلت للحاج السويق وغيره على حجر ، فلما مات عبد ذلك الحجر . والعزى : فعلى من العز .

( ومناة ) : علم لصنم ؛ وألفه من ياء ؛ لقولك : منى يمني ، إذا قدر ؛ ويجوز أن تكون من الواو ، ومنه منوان . و ( الأخرى ) : توكيد ؛ لأن الثالثة لا تكون إلا أخرى .

قال تعالى : ( ألكم الذكر وله الأنثى ( 21 ) تلك إذا قسمة ضيزى ( 22 ) ) .

[ ص: 426 ] قوله تعالى : ( ضيزى ) : أصله ضوزى مثل : طوبى ، كسر أولها ، فانقلبت الواو ياء ، وليست فعلى في الأصل ؛ لأنه لم يأت من ذلك شيء إلا ما حكاه ثعلب من قولهم ؛ رجل كيصى ، وميتة حيكى . وحكى غيره : امرأة عزهى ، وامرأة سعلى ، والمعروف عزهاة وسعلاة ، ومنهم من همز " ضيزى " .

قال تعالى : ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ( 23 ) أم للإنسان ما تمنى ( 24 ) ) .

قوله تعالى : ( أسماء ) : يجب أن يكون المعنى ذوات أسماء ؛ لقوله تعالى : ( سميتموها ) لأن لفظ الاسم لا يسمى .

و ( أم ) : هنا منقطعة .

قال تعالى : ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا . . . ( 26 ) ) .

و ( شفاعتهم ) : جمع على معنى كم ، لا على اللفظ ؛ وهي هنا خبرية في موضع رفع بالابتداء ، و " لا تغني " الخبر .

قال تعالى : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا . . . ( 31 ) ) .

قوله تعالى : ( ليجزي ) : اللام تتعلق بما دل عليه الكلام ، وهو قوله تعالى : " أعلم بمن ضل " أي حفظ ذلك ليجزي .

وقيل : يتعلق بمعنى قوله تعالى : " ولله ما في السماوات " أي أعلمكم بملكه وقوته . . . .

قال تعالى : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ( 32 ) ) .

قوله تعالى : ( الذين يجتنبون ) : هو في موضع نصب نعتا للذين أحسنوا ، أو في موضع رفع على تقدير : " هم " .

و ( إلا اللمم ) : استثناء منقطع ؛ لأن اللمم : الذنب الصغير .

[ ص: 427 ] قال تعالى : ( أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ( 37 ) ) .

قوله تعالى : ( فهو يرى ) : جملة اسمية واقعة موقع فعلية ؛ والأصل عنده علم الغيب فيرى ، ولو جاء على ذلك لكان نصبا على جواب الاستفهام .

( وإبراهيم ) عطف على موسى .

قال تعالى : ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ( 38 ) ) .

قوله تعالى : ( أن لا تزر ) : " أن " مخففة من الثقيلة ، وموضع الكلام جر بدل من " ما " أو رفع على تقدير : هو أن لا .

و ( وزر ) مفعول به ؛ وليس بمصدر .

قال تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ( 39 ) ) .

قوله تعالى : ( وأن ليس ) : " أن " مخففة من الثقيلة أيضا ، وسد ما في معنى ليس من النفي مسد التعويض .

قال تعالى : ( وأن سعيه سوف يرى ( 40 ) ) قوله تعالى : ( سوف يرى ) : الجمهور على ضم الياء ، وهو الوجه ؛ لأنه خبر " أن " وفيه ضمير يعود على اسمها .

وقرئ بفتح الياء ؛ وهو ضعيف ؛ لأنه ليس فيه ضمير يعود على اسم " أن " وهو السعي ؛ والضمير الذي فيه للهاء ، فيبقى الاسم بغير خبر ، وهو كقولك : إن غلام زيد قام - وأنت تعني قام زيد ، فلا خبر لغلام ، وقد وجه على أن التقدير : سوف يراه ، فتعود الهاء على السعي ، وفيه بعد .

قال تعالى : ( ثم يجزاه الجزاء الأوفى ( 41 ) ) .

قوله تعالى : ( الجزاء الأوفى ) : هو مفعول يجزى ؛ وليس بمصدر ؛ لأنه وصف بالأوفى ، وذلك من صفة المجزي به ، لا من صفة الفعل .

قال تعالى : ( وأنه هو أغنى وأقنى ( 48 ) ) .

ألف " أقنى " منقلبة عن واو .

قال تعالى : ( وأنه أهلك عادا الأولى ( 50 ) ) .

قوله تعالى : ( عادا الأولى ) : يقرأ بالتنوين ؛ لأن عادا اسم الرجل ، أو الحي . والهمز بعد محقق . ويقرأ بغير تنوين على أنه اسم القبيلة .

[ ص: 428 ] ويقرأ منونا مدغما ؛ وفيه تقديران : أحدهما : أنه ألقى حركة الهمزة على اللام ، وحذف همزة الوصل قبل اللام ، فلقي التنوين اللام المتحركة ، فأدغم فيها ؛ كما قالوا : لحمر .

قال تعالى : ( وثمود فما أبقى ( 51 ) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ( 52 ) والمؤتفكة أهوى ( 53 ) فغشاها ما غشى ( 54 ) ) .

قوله تعالى : ( وثمود ) : هو منصوب بفعل محذوف ؛ أي وأهلك ثمود ، ولا يعمل فيه " ما أبقى " من أجل حرف النفي ؛ وكذلك " قوم نوح " ويجوز أن يعطف على " عادا " ( والمؤتفكة ) : منصوب بـ " أهوى " .

و ( ما غشى ) : مفعول ثان .

قال تعالى : ( ليس لها من دون الله كاشفة ( 58 ) ) . ( كاشفة ) : مصدر مثل العاقبة والعافية ؛ أي ليس لها من دون الله كشف . ويجوز أن يكون التقدير : ليس لها كاشف ، والهاء للمبالغة مثل راوية وعلامة . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث