الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يكره من الإطناب في المدح، وليقل ما يعلم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

2520 [ ص: 601 ] 17 - باب: ما يكره من الإطناب في المدح، وليقل ما يعلم 2663 - حدثنا محمد بن صباح، حدثنا إسماعيل بن زكرياء، حدثنا بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل، ويطريه في مدحه فقال: " أهلكتم -أو قطعتم- ظهر الرجل". [6060 - مسلم: 3001 - فتح: 5 \ 276]

التالي السابق


ثم ساق حديث أبي موسى: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل، ويطريه في مدحه فقال: "أهلكتم -أو قطعتم- ظهر الرجل".

والمراد بالإطناب: الإكثار والإطراء، والجمع أن يكون النهي محمولا على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة بإعجاب، وأما من لا يخاف عليه ذلك، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل منه مصلحة; لازدياد في الخير، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به، كان مستحبا.

قال المهلب في حديث أبي موسى: إنما قال هذا -والله أعلم-; لئلا يغتر الرجل بكثرة المدح، ويرى أنه عند الناس بتلك المنزلة فيترك الازدياد من الخير ويجد الشيطان إليه سبيلا، ويوهمه في نفسه; حتى يضع التواضع لله.

وكان السلف يقولون: إذا أثني على أحدهم: اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون، واجعلنا خيرا مما يظنون.

وقال يحيى بن معاذ: العاقل لا يدعه ما ستر الله عليه من عيوبه بأن [ ص: 602 ] يفرح بما أظهر من محاسنه.

وقوله: (ولا أزكي على الله أحدا)؛ أي: لا أقطع له على عاقبة أحد ولا ضميره; لأن ذلك مغيب عنا، ولكن يقول: أحسب وأظن بوجود الظاهر المقتضي لذلك، وعبر تارة بالعنق، وتارة بالظهر.

وجاء أمرنا أن نحثو في وجوه المداحين التراب، والمعنى: أهلكتموهم، وهي استعارة من قطع العنق الذي هو القتل؛ لاشتراكهما في الهلاك.

فائدة: قول عمر: عسى الغوير أبؤسا.

هو من أمثالهم؛ قال الميداني في "مجمع الأمثال": الغوير: تصغير غار. الأبؤس: جمع بؤس، وهو الشدة، وأصل هذا المثل -فيما يقال- من قول الزباء حين قالت لقومها عند رجوع قصير من العراق إليها ومعه الرجال ثم تنكب بهم الطريق المنهج وأخذ على الغوير فسألت عن خبره. فأخبرت بذلك، وقيل: كان الغوير على طريقه، أي: لعل الشر يأتيكم من قبل الغار.

وقال ابن الأعرابي: عرض بالرجل؛ أي: لعلك صاحب هذا اللقيط.

قال: ونصب "أبؤسا" على معنى: عسى الغوير يصير أبؤسا، ويجوز أن يقدر: عسى الغوير أن يكون أبؤسا.

وقال أبو علي: جعل "عسى" بمعنى: كان، ونزله منزلته، يضرب للرجل يقال له: لعل الشر جاء من قبلك.

[ ص: 603 ] وذكر الأصمعي: أن أصل هذا المثل أنه كان غار فيه ناس فانهار عليهم، أو قال: فأتاهم عدو فقتلهم فيه.

وقال الكلبي: غوير: ماء لكلب، معروف من ناحية السماوة.

وقال ابن الأعرابي: الغوير: طريق كان قوم من العرب يعبرون فيه، وكانوا يتواصون بأن يحرسوه; لئلا يؤتوا منه.

وروى الحربي، عن عمرو، عن أبيه: أن الغوير نفق في حصن الزباء، وقال الزهري فيما حكاه الخلال: إنه مثل يضربه أهل المدينة، وقال سفيان: أصله أن ناسا كان بينهم وبين آخرين حرب، فقالت لهم عجوز: احذروا واستعدوا من هؤلاء; فإنهم لا يألونكم شرا، فلم يلبثوا أن جاءهم فزع.

فقالت العجوز: عسى الغوير أبؤسا.

تعني: لعله أتاكم الناس من قبل الغوير وهو شعب.

وقوله: (عريفي).

قال ابن التين: قيل: كان عريفا على الجماعة كالنقباء وشبههم، وقيل: عريفي الذي عرف بي.

والمنبوذ: تطرحه الفاجرة عندما تلده، وهو حر باعتبار الدار ومسلم أيضا.

واختلف إذا كان النصارى في مدينة فيها الاثنان والثلاثة مسلمون.

فقال ابن القاسم: هو نصراني.

[ ص: 604 ] وقال أشهب: هو مسلم كالحرية؛ تغليبا لحكم الإسلام والأصح عندنا: أنه مسلم إن سكنها مسلم (...) أو تأخر.

ورأى قوم أن المنبوذ عبد، وكان عمر أعتق هذا، وقيل: نقل إليه ولاءه. والأول أبين عملا بالأصل وهو الحرية.

وقوله: (وعلينا نفقته)؛ أي: من بيت المال.

فائدة أخرى:

ويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها ولا يترحم عليه، وويح: لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم عليه.

قال الفراء: الأصل في "ويل": وي، أي: حزن، كما تقول: وي لفلان؛ أي: حزن له، فوصلته العرب باللام، وزاد أنها منه فأعربوها.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث