الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأدب الثالث أن يزيد على احتمال الأذى بالملاعبة

الثالث : أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة ، والمزح والملاعبة ، فهي التي تطيب قلوب النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق حتى روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما ، وسبقها في بعض الأيام ، فقال صلى الله عليه وسلم : هذه بتلك .

وفي الخبر : أنه كان صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع نسائه .

وقالت عائشة رضي الله عنها : سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون في يوم عاشوراء فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتحبين أن تري لعبهم ؟ قالت : قلت : نعم . فأرسل إليهم فجاؤوا ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين البابين ، فوضع كفه على الباب ، ومد يده ووضعت ، ذقني على يده ، وجعلوا يلعبون وأنظر ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : حسبك وأقول : اسكت ، مرتين ، أو ثلاثا ، ثم قال : يا عائشة حسبك ، فقلت : نعم . فأشار إليهم فانصرفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، وألطفهم بأهله .

وقال صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم : لنسائه ، وأنا خيركم لنسائي .

وقال عمر رضي الله عنه مع خشونته ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلا .

وقال لقمان رحمه الله ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي وإذا كان في القوم وجد رجلا .

وفي تفسير الخبر المروي إن الله يبغض الجعظري الجواظ .

قيل هو : الشديد على أهله ، المتكبر في نفسه وهو أحد ما قيل في معنى قوله تعالى : عتل قيل : العتل هو الفظ : اللسان ، الغليظ القلب على أهله .

وقال صلى الله عليه وسلم لجابر هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك .

ووصفت أعرابية زوجها وقد مات فقالت : والله لقد كان ضحوكا إذا ولج سكيتا إذا خرج آكلا ما وجد غير مسائل عما فقد .

التالي السابق


(الثالث: أن يزيد على احتمال الأذى بالملاعبة، والمزح، والمداعبة) وكل هذه الألفاظ قريبة المعنى، والدعابة بالضم: اسم لما يستملح من المزح (وهي: التي تطيب قلوب النساء) ويستملن إليه (وقد كان رسول الله يمزح معهن) والمزح هو: الانبساط مع الغير من غير إيذاء له، وبه فارق الهزل، والسخرية. (وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق) ولفظ القوت: ويقاربهن في عقولهن في المعاملة والأخلاق منهن، اهـ .

اعلم أن المداعبة لا تنافي الكمال، بل هي من توابعه، ومتمماته، إذا كانت جارية على القانون الشرعي، بأن يكون على وفق الصدق، والحق، ويقصد تألف القلوب، وجبرها، وحسن المعاشرة، وإدخال السرور، والرفق .

والمنهي عنه من المزاح: ما يورث حقدا، ويسقط المهابة، والوقار، ويورث كثرة الضحك، وقسوة القلب، والإعراض عن ذكر الله تعالى، ومزاحه -صلى الله عليه وسلم- سالم من جميع هذه الأمور، يقع منه -صلى الله عليه وسلم- على جهة الندرة; لمصلحة تامة، من مؤانسة بعض نسائه، أو أصحابه، فهو بهذا القصد سنة، وما قيل: الأظهر أنه مباح لا غير فضعيف; إذ الأصل في أفعاله -صلى الله عليه وسلم-: وجوب أو ندب، للتأسي به فيها، إلا لدليل يمنع من ذلك .

ثم إن المزاح قد يقع بغير الكلام، وإليه أشار المصنف بقوله: (حتى روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يسابق عائشة) رضي الله عنها (في العدو) وهو الجري الشديد، [ ص: 355 ] (فسبقته يوما، وسبقها في بعض الأيام، فقال: هذه بتلك) . قال العراقي: رواه أبو داود، والنسائي في الكبرى، وابن ماجه، من حديث عائشة، بسند صحيح (وفي الخبر: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان من أفكه الناس) إذا خلا (مع نسائه) . كذا في القوت، قال العراقي: رواه الحسن بن سفيان، في مسنده، من حديث أنس، دون قوله: مع نسائه. ورواه البزار، والطبراني في الصغير، والأوسط، فقالا: مع الصبي. وفي سنده ابن لهيعة. اهـ. أي: وقد تفرد به، وقد رواه ابن عساكر -أيضا- دون قوله: مع نسائه، ووجد في بعض نسخ مسند البزار زيادة: مع نسائه. والفكاهة بالضم: المزاح، ورجل فكه، ذكره الزمخشري.

(وقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم) ممن يتفرج معهم (وهم يلعبون) بالحراب والدرق (في يوم عاشوراء) وذلك في المسجد النبوي (فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أتحبين أن تري لعبهم؟ قالت: قلت: نعم. فأرسل إليهم فجاءوا، وقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين البابين، فوضع كفه على الباب، ومد يده، ووضع ذقني على يده، وجعلوا يلعبون وأنظر، وجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: حسبك) أي: كفاك (وأقول: اسكت، مرتين، أو ثلاثا، ثم قال: يا عائشة حسبك، فقلت: نعم. فأشار إليهم فانصرفوا) . قال العراقي: متفق عليه، مع اختلاف، دون ذكر يوم عاشوراء، وإنما قالا: كان يوم عيد، ودون قولها: اسكت. وفي رواية للنسائي في الكبرى: قلت: لا تعجل، مرتين، وفيه: يا حميراء. وسنده صحيح، اهـ. قلت: قد رواه البخاري في موضع من الصحيح، وفي بعضها: قالت: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو. وفي لفظ له: الحديثة السن، تسمع اللهو، حريصة على اللهو. ولأحمد في مسنده: الحريصة للهوى. وقول المصنف: ووضع ذقني على يده، قد اختلفت ألفاظ البخاري، ففي لفظ: بين أذنه وعاتقه. وفي أخرى: خدي على خده. وفي أخرى: فوضعت رأسي على منكبه. وكلها في الصحيح، ولا تنافي بينها، فإنها إذا وضعت رأسها على منكبه صارت بين أذنه وعاتقه، فإن تمكنت من ذلك صار خدها على خده، وإن لم تتمكن قارب خدها خده .

واستدل به على جواز رؤية المرأة للأجنبي، دون العكس، قال النووي: نظر الوجه والكفين عند أمن الفتنة من المرأة إلى الرجل وعكسه جائز، وإن كان مكروها، وهذا ما في الروضة عن أكثر الأصحاب، والذي صححه في المنهاج: التحريم، وعليه الفتوى. وأما نظر عائشة إلى الحبشة وهم يلعبون: فليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت إلى لعبهم وحرابهم، ولا يلزم منه تعمد النظر إلى البدن، وإن وقع بلا قصد، صرفته في الحال، مع أن ذلك مع أمن الفتنة .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله) قال العراقي: رواه الترمذي، والنسائي، واللفظ له، والحاكم، وصححه من حديث أبي هريرة، دون قوله: وألطفهم بأهله، ورواه البزار، من حديث أنس بزيادة فيه، ورواه الطبراني في الأوسط، من حديث أبي سعيد، بزيادة أخرى، كذلك وقد ذكره السيوطي وغيره، في الأحاديث المتواترة، ولفظ الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وصححاه، بدون قوله: وألطفهم بأهله، وخياركم خياركم لنسائه. وقال الترمذي: حسن صحيح .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: خياركم خياركم لنسائه، وأنا خياركم لنسائي) . قال العراقي: رواه الترمذي، وصححه من حديث أبي هريرة، دون قوله: وأنا خيركم لنسائي. وله من حديث عائشة، وصححه: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.

(وقال عمر -رضي الله عنه- مع خشونته) وصلابته في دين الله: (ينبغي للرجل أن يكون في أهله) أي: نسائه وأولادهن (مثل الصبي) في المداعبة واللعب (فإذا التمسوا ما عنده) من أمور الدين (وجد رجلا) أي: كامل الرجولية تام العقل .

(وقال لقمان) الحكيم: (ينبغي للرجل) وفي نسخة: للعاقل (أن يكون في أهله كالصبي) ولفظ القوت: يكون العاقل في بيته، ومع أهله كالصبي (وإذا كان في القوم وجد رجلا) أي: في محافلهم .

(وفي تفسير الخبر المروي) عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (إن الله يبغض الجعظري الجواظ) قال العراقي: رواه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق، من [ ص: 356 ] حديث أبي هريرة، بسند ضعيف، وهو في الصحيحين، من حديث حارثة بن وهب الخزاعي: ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ، مستكبر. ولأبي داود: لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري. اهـ. (قيل هو: الشديد على أهله، المتكبر في نفسه) كذا في القوت (وهو أحد ما قيل في معنى قوله تعالى: عتل ) بعد قوله: زنيم (قيل: العتل هو: الفظ اللسان، الغليظ القلب على أهله) وما ملكت يمينه، كذا في القوت، وروى الطبراني في الكبير، من حديث أبي الدرداء: ألا أخبرك بأهل النار؟ كل جعظري، جواظ، مستكبر، جماع، منوع... الحديث. وقد قيل في معنى الجعظري: هو الضخم، المختال في مشيه، أو الأكول، أو الفاجر، أو الفظ، الغليظ، والجواظ، قيل: هو الذي لا يمرض، والذي يتمدح بما ليس فيه، أو عنده، أو الذي يجمع ويمنع، أو السمين الثقيل من التنعم. وحديث حارثة بن وهب الخزاعي، رواه -أيضا- أحمد بن حميد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. والعتل، قيل: هو الشديد الجافي، أو الجموع المنوع، أو الأكول الشروب، وهذه الأوصاف قد جاءت مسندة، مرفوعة، من حديث عبد الرحمن بن غنم، عند أحمد: لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري. والعتل الزنيم: هو الشديد الخلق، المصحح، الأكول الشروب، الواجد الطعام والشراب، الظلوم للناس، الرحيب الجوف .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- لجابر) رضي الله عنه: (هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك) ؟ رواه الشيخان من حديثه، وقد تقدم قريبا. (ووصفت أعرابية زوجها وقد مات) عنها (فقالت: والله لقد كان ضحوكا إذا ولج) أي: دخل البيت، تعني حسن معاشرته مع الأهل، وملاعبته لهن بالضحك، والتبسم، وعدم عبوس الوجه، وقد ورد: إن الله يبغض العبوس على أهله، إذا دخل عليهن (سكوتا إذا خرج) تصفه بقلة الكلام في المحافل، وذلك يدل على كمال وقاره، ومهابته بين الناس (آكلا ما وجد) تصفه بالقناعة (غير سائل عما فقد) تصفه بحسن مروءته، وإغضائه، وكرمه، وسخائه ويشبه كلامها بكلام الخامسة من حديث أم زرع، زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد، وهو يحتمل المدح، ويحتمل الذم، فعلى المدح معنى فهد، أي: نام نوم الفهد، وغفل عن معايب البيت، وقيل: وثب وثوب الفهد، وبادر إليها بالجماع، من كثرة حبه لها. وأسد، أي: فعل فعل الأسد في شجاعته، وجرأته. ولا يسأل عما عهد، أي: لا يسأل عما فقد في البيت من ماله; لتمام كرمه، وهذا هو الملائم لقول الأعرابية هنا: غير سائل عما فقد، ولا يحتمل هنا إلا حمل كلامها على المدح، وأما ما في حديث أم زرع: فيحتمل كليهما، وإن كان ما عدا الجملة الأولى يحتمل الذم أيضا، لكنه لا يلائم السياق، فتأمل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث