الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة الأنعام باب في قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم

178 سورة الأنعام : باب في قوله تعالى : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم

وذكره النووي ، في الجزء الأول ، في : (باب صدق الإيمان ، وإخلاصه ) .

[ ص: 680 ] (حديث الباب )

وهو بصحيح مسلم \ النووي ، ص 143 ج 2 ، المطبعة المصرية

عن عبد الله ؛ قال : لما نزلت : الذين آمنوا ، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم : شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : أينا لا يظلم نفسه ؟

فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : «ليس هو كما تظنون ، إنما هو كما قال لقمان لابنه : يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم .


التالي السابق


(الشرح)

(عن عبد الله بن مسعود ) رضي الله عنه : (قال : لما نزلت « الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم : شق ذلك على أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالوا : أينا لا يظلم نفسه ؟ ) هكذا وقع هنا .

ووقع في صحيح البخاري : «أينا لم يظلم نفسه ؟ » فهاتان الروايتان ، إحداهما تبين الأخرى . فيكون لما شق عليهم : أنزل الله عز وجل : « إن الشرك لظلم عظيم ، وأعلم النبي ، صلى الله عليه وآله [ ص: 681 ] وسلم : أن الظلم المطلق هناك ، المراد به : هذا المقيد ، وهو الشرك .

(فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : «ليس هو كما تظنون . إنما هو كما قال لقمان لابنه : يا بني ! لا تشرك بالله ، إن الشرك لظلم عظيم » ) أي : ليس الظلم على إطلاقه وعمومه ، كما زعمتم . إنما هو الشرك . كما قال لقمان لابنه .

فالصحابة رضي الله عنهم : حملوا الظلم على عمومه ، وهو المتبادر إلى الأفهام منه ، وهو وضع الشيء في غير موضعه . وهو مخالفة الشرع . فشق عليهم ، إلى أن أعلمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بالمراد بهذا الظلم .

قال الخطابي : إنما شق عليهم ، لأن ظاهر الظلم : الافتيات بحقوق الناس ، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي . فظنوا أن المراد : معناه الظاهر .

وأصل الظلم : وضع الشيء في غير موضعه . ومن جعل العبادة لغير الله : فهو أظلم الظالمين .

قال النووي : في هذا الحديث جمل من العلم ؛

[ ص: 682 ] منها : أن المعاصي لا تكون كفرا . والله أعلم .

واختلف العلماء في نبوته : (أي نبوة لقمان الحكيم ) ؛ قال الثعالبي : اتفق العلماء على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا ، إلا عكرمة ، فإنه قال : كان نبيا ، وتفرد بهذا القول .

وأما ابن لقمان الذي قال له : لا تشرك بالله . فقيل : اسمه «أنعم » ، وقيل : «مشكم » . والله أعلم . انتهى .

قال في (فتح البيان ) : هذه الآية ، قيل : من تمام قول إبراهيم عليه السلام .

وقيل : من قول قومه .

وقيل : من قول الله . ثلاثة أقوال للعلماء .

والمراد بالظلم : «الشرك » . وقد فسره به أبو بكر الصديق ، وعمر ، وحذيفة ، وسلمان الفارسي ، وأبي بن كعب ، وابن عباس . وقد روي عن جماعة من التابعين : مثل ذلك .

ويغني عن الجميع في تفسير الآية : ما ثبت في الصحيحين وغيرهما ، من حديث « ابن مسعود » . يعني : حديث الباب .

[ ص: 683 ] والعجب من «صاحب الكشاف » ، حيث يقول في تفسير هذه الآية : وأبى تفسير الظلم بالكفر : لفظ «اللبس » . وهو لا يدري أن الصادق المصدوق : قد فسرها بهذا . وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل . وزاد في زاده على البيضاوي .

وذهب المعتزلة إلى أن المراد بالظلم في هذه الآية : المعصية لا الشرك ، بناء على أن خلط أحد الشيئين بالآخر : يقتضي اجتماعهما ، ولا يتصور خلط الإيمان بالشرك ، لأنهما ضدان لا يجتمعان .

وهذه الشبهة ترد عليهم ؛ بأن يقال : كما أن الإيمان لا يجامع الكفر ، فكذلك المعصية لا تجامع الإيمان عندكم ، لكونه اسما لفعل الطاعات واجتناب المعاصي ، فلا يكون مرتكب الكبيرة مؤمنا عندكم . انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث