الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة .

يعود ضمير عليهم إلى وأكثرهم الفاسقون وهو خاص باليهود لا محالة ، وهو كالبيان لقوله ثم لا ينصرون .

والجملة بيانية لذكر حال شديد من شقائهم في الدنيا .

ومعنى ضرب الذلة اتصالها بهم وإحاطتها ، ففيه استعارة مكنية وتبعية شبهت الذلة ، وهي أمر معقول ، بقبة أو خيمة شملتهم وشبه اتصالها وثباتها بضرب القبة وشد أطنابها ، وقد تقدم نظيره في البقرة .

وثقفوا في الأصل أخذوا في الحرب فإما تثقفنهم في الحرب وهذه المادة تدل على تمكن من أخذ الشيء ، وتصرف فيه بشدة ، ومنها سمي الأسر ثقافا . والثقاف آلة كالكلوب تكسر به أنابيب قنا الرماح . قال النابغة :


عض الثقاف على صم الأنابيب

والمعنى هنا : أينما عثر عليهم ، أو أينما وجدوا ، أي هم لا يوجدون إلا محكومين ، شبه حال ملاقاتهم في غير الحرب بحال أخذ الأسير لشدة ذلهم .

[ ص: 56 ] وقوله إلا بحبل من الله وحبل من الناس الحبل مستعار للعهد ، وتقدم ما يتعلق بذلك عند قوله تعالى فقد استمسك بالعروة الوثقى - في سورة البقرة - وعهد الله ذمته ، وعهد الناس حلفهم ، ونصرهم ، والاستثناء من عموم الأحوال وهي أحوال دلت عليها الباء التي للمصاحبة . والتقدير : ضربت عليهم الذلة متلبسين بكل حال إلا متلبسين بعهد من الله وعهد من الناس ، فالتقدير : فذهبوا بذلة إلا بحبل من الله .

والمعنى لا يسلمون من الذلة إلا إذا تلبسوا بعهد من الله ، أي ذمة الإسلام ، أو إذا استنصروا بقبائل أولي بأس شديد ، وأما هم في أنفسهم فلا نصر لهم . وهذا من دلائل النبوة فإن اليهود كانوا أعزة بيثرب وخيبر والنضير وقريظة ، فأصبحوا أذلة وعمتهم المذلة في سائر أقطار الدنيا .

وباءوا بغضب من الله أي رجعوا وهو مجاز لمعنى صاروا إذ لا رجوع هنا .

والمسكنة الفقر الشديد مشتقة من اسم المسكين وهو الفقير ، ولعل اشتقاقه من السكون وهو سكون خيالي أطلق على قلة الحيلة في العيش . والمراد بضرب المسكنة عليهم تقديرها لهم وهو إخبار بمغيب لأن اليهود المخبر عنهم قد أصابهم الفقر حين أخذت منازلهم في خيبر والنضير وقينقاع وقريظة ، ثم بإجلائهم بعد ذلك في زمن عمر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث