الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية

قلت: إنه إن أريد بذلك الحدوث مثلا دليل على أن المحدث يحتاج إلى محدث، أو أن الحدوث شرط في افتقار المفعول إلى الفاعل، [ ص: 10 ] فهذا صحيح. وإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقرا إلى الفاعل فهذا باطل. وكذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على الافتقار إلى المؤثر، أو أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح. وإن أريد به أنه جعل نفس الممكن مفتقرا فهذا باطل. وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث دليلا على الافتقار إلى المؤثر، وشرطا في الافتقار إلى المؤثر.

وإنما النزاع في مسألتين: أحدهما: أن الواجب بغيره هل يصح كونه مفعولا لمن يقول: الفلك قديم معلول ممكن، فهذا مما ينكره جماهير العقلاء، ويقولون: لا يمكن مقارنته لفاعله أزلا وأبدا، ويقولون: الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا معدوما تارة وموجودا أخرى، فنفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق بذاتها، واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي، لا يحتاج إلى علة، فليس كل حكم ثبت للذوات يحتاج إلى علة، إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل، وهو باطل باتفاق العلماء، بل من الأحكام ما هو لازم للذوات لا يمكن أن يكون مفارقا للذوات، ولا يفتقر إلى علة، وكون كل ما سوى الله فقيرا إليه محتاجا إليه دائما هو من هذا الباب. فالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله، كما أن الغنى والصمدية أمر لازم لذات الله.

وهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية، وهو أن المحدث المخلوق هل افتقاره إلى الخالق المحدث وقت الإحداث فقط، أو هو دائما مفتقر إليه؟ على قولين للنظار.

وكثير من أهل الكلام المتلقى عن جهم وأبي الهذيل يقولون: إنه [ ص: 11 ] لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث، لا في حال البقاء، وهذا في مقابلة قول الفلاسفة الدهرية القائلين بأن افتقار الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثها، بل افتقاره إليه في حال بقائه أزلا وأبدا، وكلا القولين باطل.

وهو في أكثر كتبه ينصر خلاف ذلك، ولكن نحن نقرر أن كل ما سوى الواجب فهو محدث، وأن التأثير لا يكون إلا في حادث، وأن الحدوث والإمكان متلازمان، وهو قول جمهور العقلاء من أهل الملل والفلاسفة، وإنما أثبت ممكنا ليس بحادث طائفة من متأخري الفلاسفة كابن سينا والرازي، فلزمهم إشكالات لا محيص عنها -مع أنهم في كتبهم المنطقية يوافقون أرسطو وسلفهم- وهو أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثا. وقد أنكر ابن رشد قولهم بأن الشيء الممكن الذي يقبل الوجود والعدم يكون قديما أزليا، وقال: "لم يقل بهذا أحد من الفلاسفة قبل ابن سينا".

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث