الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب ديات أهل الكفر . قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان البتي وسفيان الثوري والحسن بن صالح دية الكافر مثل دية المسلم اليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي سواء " .

وقال مالك بن أنس دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم ودية المجوسي ثمانمائة درهم وديات نسائهم على النصف من ذلك " . وقال الشافعي دية اليهودي والنصراني ثلث الدية ودية المجوسي ثمانمائة والمرأة على النصف " قال أبو بكر : الدليل على مساواتهم المسلمين في الديات قوله عز وجل : ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا إلى قوله : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله والدية اسم لمقدار معلوم من المال بدلا من نفس الحر ؛ لأن الديات قد كانت متعالمة معروفة بينهم قبل الإسلام وبعده ، فرجع الكلام إليها في قوله في قتل المؤمن خطأ ثم لما عطف عليه قوله تعالى : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله كانت هذه الدية هي الدية المذكورة بديا ؛ إذ لو لم تكن كذلك لما كانت دية ؛ لأن الدية اسم لمقدار معلوم من بدل النفس لا يزيد ولا ينقص .

وقد كانوا قبل ذلك يعرفون مقادير الديات ولم يكونوا يعرفون الفرق بين دية المسلم والكافر فوجب أن تكون الدية المذكورة للكافر هي التي ذكرت للمسلم ، وأن يكون قوله تعالى فدية مسلمة إلى أهله راجعا إليها ، كما عقل من دية المسلم أنها المعتاد المتعارف عندهم ، ولولا أن ذلك كذلك لكان اللفظ مجملا مفتقرا إلى البيان ، وليس الأمر كذلك .

فإن قيل : فقوله تعالى فدية مسلمة إلى أهله لا يدل على أنها مثل دية المسلم ، كما أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ولا يخرجها ذلك من أن تكون دية كاملة لها . قيل له : هذا غلط من وجهين :

أحدهما : أن الله تعالى إنما ذكر الرجل في الآية فقال : ومن قتل مؤمنا خطأ ثم قال : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله فكما اقتضى فيما ذكره للمسلم كمال الدية كذلك دية المعاهد لتساويهما في اللفظ مع وجود التعارف عندهم في مقدار الدية .

والوجه الآخر : أن دية المرأة لا يطلق عليها اسم الدية [ ص: 213 ] وإنما يتناولها الاسم مقيدا ألا ترى أنه يقال دية المرأة نصف الدية وإطلاق اسم الدية إنما يقع على المتعارف المعتاد وهو كمالها ؟ .

فإن قيل : قوله تعالى : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يحتمل أن يريد به : وإن كان المقتول المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق ؛ فاكتفى بذكر الإيمان للقتيلين الأولين عن إعادته في القتيل الثالث . قيل له : هذا غلط من وجوه :

أحدها : أنه قد تقدم في أول الخطاب ذكر القتيل المؤمن خطأ وحكمه ، وذلك عموم يقتضي سائر المؤمنين إلا ما خصه الدليل ، فغير جائز إعادة ذكر المؤمن بذلك الحكم في سياق الآية مع شمول أول الآية له ولغيره ، فعلمنا أنه لم يرد المؤمن ممن كان بيننا وبينهم ميثاق .

والثاني : لما لم يقيده بذكر الإيمان وجب إجراؤه في الجميع من المؤمنين والكفار من قوم بيننا وبينهم ميثاق ، وغير جائز تخصيصه بالمؤمنين دون الكافرين بغير دلالة . والثالث : أن إطلاق القول بأنه من المعاهدين يقتضي أن يكون معاهدا مثلهم ، ألا ترى أن قول القائل : " إن هذا الرجل من أهل الذمة " يفيد أنه ذمي مثلهم ؟ وظاهر قوله تعالى : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يوجب أن يكون معاهدا مثلهم ألا ترى أنه لما أراد بيان حكم المؤمن إذا كان من ذوي أنساب المشركين قال : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة فقيده بذكر الإيمان ؟ لأنه لو أطلقه لكان المفهوم منه أنه كافر مثلهم .

والرابع : أنه لو كان كما قال هذا القائل لما كانت الدية مسلمة إلى أهله ؛ لأن أهله كفار لا يرثونه . فهذه الوجوه كلها تقتضي المساواة وفساد هذا التأويل ويدل على صحة قول أصحابنا أيضا ما رواه محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت : فإن جاءوك فاحكم بينهم الآية ، قال : " كان إذا قتل بنو النضير من بني قريظة قتيلا أدوا نصف الدية ، وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا الدية إليهم ، قال : فسوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم في الدية " . قال أبو بكر : لما قال : " أدوا الدية " ثم قال : " سوى بينهم في الدية " دل ذلك على أنه راجع إلى الدية المعهودة المبدوء بذكرها ؛ لأنه لو كان رد بني النضير إلى نصفها لقال : سوى بينهم في نصف الدية ، ولم يقل : سوى بينهم في الدية . ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : في النفس مائة من الإبل وهو عام في الكافر والمسلم .

وروى مقسم عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى العامريين وكانا مشركين دية الحرين المسلمين .

وروى محمد بن عبدوس قال : حدثنا علي بن الجعد قال : حدثنا أبو بكر قال : سمعت نافعا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه ودى ذميا دية مسلم . وهذان الخبران يوجبان [ ص: 214 ] مساواة الكافر للمسلم في الدية ؛ لأنه معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وداهما بما في الآية في قوله عز وجل : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله فدل على أن المراد من الآية دية المسلم .

وأيضا لما لم يكن مقدار الدية مبينا في الكتاب ، كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم واردا مورد البيان ، وفعله صلى الله عليه وسلم إذا ورد مورد البيان فهو على الوجوب .

وروى أبو حنيفة عن الهيثم عن أبي الهيثم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان قالوا دية المعاهد دية الحر المسلم .

وروى إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب قال : " كان أبو بكر وعمر وعثمان يجعلون دية اليهودي والنصراني إذا كانوا معاهدين مثل دية المسلم " .

وروى سعيد بن أبي أيوب قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب أن جعفر بن عبد الله بن الحكم أخبره : أن رفاعة بن السموأل اليهودي قتل بالشام ، فجعل عمر ديته ألف دينار " .

وروى محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن مسعود قال دية أهل الكتاب مثل دية المسلمين " وهو قول علقمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والشعبي .

وروى الزهري عن سالم عن أبيه : " أن مسلما قتل كافرا من أهل العقد ، فقضى عليه عثمان بن عفان بدية المسلم " . فهذه الأخبار وما ذكرنا من أقاويل السلف مع موافقتها لظاهر الآية توجب مساواة الكافر للمسلم في الديات .

وقد روي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمانمائة " . قال سعيد : " وقضى عثمان في دية المعاهد بأربعة آلاف " . قال أبو بكر : وقد روي عنهما خلاف ذلك وقد ذكرناه . واحتج المخالف بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح قال في خطبته : ودية الكافر نصف دية المسلم وبما روى عبد الله بن صالح قال : حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المجوس ثمانمائة .

قيل له : قد علمنا حضور هؤلاء الصحابة الذين ذكرنا عنهم مقدار الدية خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فلو كان ذلك ثابتا لعرفه هؤلاء ولما عدلوا عنه إلى غيره . وأيضا قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال دية المعاهد مثل دية المسلم وأنه ودى العامريين دية الحرين المسلمين ؛ وهذا أولى لما فيه من الزيادة ، ولو تعارض الخبران لكان ما اقتضاه ظاهر الكتاب وما ورد به النقل المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أن الدية مائة من الإبل من غير فصل فيه بين المسلم والكافر أولى فوجب تساويهما في الديات . وأما حديث عقبة بن عامر في دية المجوسي فإنه حديث واه لا يحتج بمثله ؛ لأن ابن [ ص: 215 ] لهيعة ضعيف لا سيما من رواية عبد الله بن صالح عنه

فإن قيل : قوله تعالى فدية مسلمة إلى أهله عطفا على ما ذكر في دية المسلم لا يدل على تساوي الديتين ، كما لو قال : من قتل عبدا فعليه قيمته ومن استهلك ثوبا فعليه قيمته ، لم يدل على تساوي القيمتين . قيل له : الفرق بينهما أن الدية اسم لمقدار من المال بدلا من نفس الحر كانت معلومة المقدار عندهم وهي مائة من الإبل ، فمتى أطلقت كان من مفهوم اللفظ هذا القدر ، فإطلاق لفظ الدية قد أنبأ عن هذا المعنى ، وعطفها على الدية المتقدمة مع تساوي اللفظ فيهما بأنها دية مسلمة قد اقتضى ذلك أيضا ؛ والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

التالي السابق


الخدمات العلمية