الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق وبين قاعدة المعرف بالألف واللام في الطلاق

( الفرق الثالث والسبعون بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق نحو { أحل الله البيع } { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } وبين قاعدة المعرف بالألف واللام في الطلاق لا يفيد العموم ) فلو قال الطلاق يلزمني لم يلزمه مع عدم النية إلا طلقة واحدة ومقتضى اللغة أن يلزمه الثلاث لأن قاعدة المعرف فاللام التعريف أنه عام في جميع أفراد الجنس الذي دخل عليه وقد دخل على مفهوم الطلاق فيعم أفراده إلى غير النهاية ومقتضى ذلك أن يلزمه من الطلاق عدد غير متناه إلا أن المحل لا يقبل إلا ثلاثا فيقتصر عليها كما لو قال أنت طالق مائة فإنه يلزمه الثلاث فقط لعدم قبول المحل الزيادة على ذلك لكن الفقهاء اليوم على خلافه ولا يلزمون به إلا واحدة بسبب أن لام التعريف قد تستعمل لاستغراق الجنس نحو { أحل الله البيع } وللمعهود من الجنس نحو قوله تعالى { كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول } فهذه اللام للمعهود الذي تقدم ذكره ولحقيقة الجنس كقول السيد لعبده اذهب إلى السوق فاشتر لنا الخبز واللحم يريد إثبات هاتين الحقيقتين [ ص: 95 ] ولا يريد العموم بأن يأتي بجميع أفراد الجنس وليس بينهما معهود ينصرف الكلام إليه بل المراد به حقيقة الجنس أي الماهية الكلية التي تصدق بفرد إذا تقرر أن لام التعريف تستعمل في أحد هذه الأمور الثلاثة فاعلم أن أهل العرف قد نقلوها وخصصوها بحقيقة الجنس دون استغراق الجنس فيصير معنى كلام المطلق أن حقيقة جنس الطلاق يلزمني وإذا لزمته هذه الحقيقة وهذه الحقيقة تصدق بفرد لم يلزمه إلا فرد وهو طلقة واحدة لأن الأيمان مبنية على العرف في اليمين بالله تعالى والطلاق وغيره فإذا حدث عرف بعد اللغة قدم عليها لأنه ناسخ لها والناسخ مقدم على المنسوخ وهاتان قاعدتان في الأصول خالفهما الفقهاء في الفروع وهما قاعدة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ولم يقولوا بذلك في الأيمان على ما تقدم من الخلاف وقاعدة المعرف فاللام التعريف قالوا بأنه للعموم ولم يقولوا به في الطلاق والسبب ما تقدم بيانه .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

[ ص: 93 - 94 ] قال ( الفرق الثالث والسبعون بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق نحو { أحل الله البيع } ، { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } . وبين قاعدة المعرف بالألف واللام في الطلاق لا يفيد العموم فلو قال الطلاق يلزمني لم يلزمه مع عدم النية إلا طلقة واحدة ومقتضى اللغة أن يلزمه الثلاث إلى قوله فهذه اللام للمعهود الذي تقدم ذكره ) قلت ما قاله صحيح إلا في قوله { وأحل الله البيع } { ولا تقتلوا النفس } إنه للجنس فإنه إن كان يعني الحقيقة فذلك صحيح وإن كان يعني أنه للاستغراق فلا .

قال ( ولحقيقة الجنس كقول السيد لعبده اذهب إلى السوق فاشتر لنا الخبز واللحم يريد إثبات هاتين الحقيقتين [ ص: 95 ] ولا يريد العموم إلى قوله أي الماهية الكلية التي تصدق بفرد ) قلت لا يصح أن يكون المراد بقوله اشتر الخبز وما أشبهه الماهية الكلية فإنه من المحال عند مثبتيها وجودها في الخارج وما اشترى لا بد من وجوده في الخارج .

قال ( إذا تقرر أن لام التعريف تستعمل في أحد هذه الأمور الثلاثة فاعلم أن أهل العرف قد نقلوها وخصصوها بحقيقة الجنس دون استغراق الجنس ) قلت إذا كان من جملة ما يطلق عليه اللفظ حقيقة الجنس فلا نقل أما التخصيص فنعم .

قال ( فيصير معنى كلام المطلق أن حقيقة جنس الطلاق يلزمني وإذا لزمته هذه الحقيقة وهذه الحقيقة تصدق بفرد لم يلزمه إلا فرد وهو طلقة واحدة لأن الأيمان مبنية على العرف إلى قوله والناسخ مقدم على المنسوخ ) قلت قد تبين أن الحقيقة الكلية لا وجود لها في الخارج فلا يمكن أن تكون هي المقصودة في قوله الطلاق يلزمني ولكن يمكن أن يكون المقصود الاستغراق أو العهد فعلى هذا كان ينبغي أن تلزمه الثلاث احتياطا كمن طلق ولا يدري أواحدة أم ثلاثا تلزمه الثلاث احتياطا ولكن لا أعلم أحدا ألزم الطلاق الثلاث بذلك اللفظ فهو عرف في مطلق الطلاق والله تعالى أعلم ، وما قاله إلى آخر الفرق ظاهر وكذلك الفرق بعده .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثالث والسبعون بين قاعدة المفرد المعرف بالألف واللام يفيد العموم في غير الطلاق نحو { أحل الله البيع } { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } وبين قاعدة المعرف بالألف واللام في الطلاق لا يفيد العموم ) اعلم أن الذي رجحه السيد الصفوي أن لام التعريف قد تستعمل للمعهود من أفراد الجنس خارجا نحو قوله تعالى { كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول } ونحو { وليس الذكر كالأنثى } ونحو { اليوم أكملت لكم دينكم } أو للجنس أما من حيث هو أي للماهية من حيث حضورها الذهني بقطع النظر عن الأفراد فتسمى لام الحقيقة نحو الرجل خير من المرأة والإنسان حيوان ناطق والحيوان جنس والناطق فصل .

وأما من حيث وجوده في بعض مبهم مع قرينة ذلك البعض فتسمى لام العهد الذهني نحو قوله تعالى حكاية عن سيدنا يعقوب عليه السلام { وأخاف أن يأكله الذئب } لعهدية الحقيقة التي لذلك البعض وإن كان ذلك البعض مبهما فمدخولها وإن جرت عليه أحكام المعارف بالنظر لوضعه [ ص: 106 ] للحقيقة المعينة ذهنا فيجيء مبتدأ وذا حال بلا مسوغ ووصفا للمعرفة إلا أنه في المعنى كالنكرة نظرا لقرينة ذلك البعض المبهم كالأكل في الآية .

وأما من حيث وجوده في جميع الأفراد فتسمى لام الاستغراق كقوله تعالى { أحل الله البيع } { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } إذ لا عهد مع تحقق قرينة إرادة الفرد دون البعضية المبهمة ودون الحقيقة وهي في الآية تعلق الحكم الشرعي المقتضي للوجود الخارجي ولا وجود للحقيقة في الخارج وقاعدة المعرف فاللام التعريف في الأصول حينئذ أن يحمل على الكلية فيعم جميع أفراد الجنس الذي دخل عليه وإن لم توجد قرينة الكلية كالاستثناء فعلى هذا إذا قال الشخص الطلاق يلزمني مع عدم النية يحتمل أن يكون مقصوده الاستغراق أو العهد وعلى قاعدة الاحتياط في الفروج كان ينبغي أن تلزمه الثلاث كمن طلق ولا يدري أواحدة أم ثلاثا تلزمه الثلاث احتياطا وذلك أن مقتضى اللغة والاحتياط أن يلزمه من الطلاق عدد غير متناه إلا أن المحل لا يقبل إلا ثلاثا فيقتصر عليها كما لو قال أنت طالق مائة فإنه يلزمه الثلاث فقط لعدم قبول المحل لزيادة على ذلك لكن الفقهاء خالفوا هذه القاعدة الأصولية في الطلاق كما خالفوا قاعدة الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي في الأيمان على ما تقدم من الخلاف بسبب أن مبنى الطلاق والأيمان على العرف والعرف صرف ذلك اللفظ لمطلق الطلاق أي واحد غير معين من أفراده قال ابن الشاط لا أعلم أحدا ألزم الطلاق الثلاث بذلك اللفظ فهو عرف في مطلق الطلاق ا هـ والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث