الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في آداب الضيافة وأن أول من ضيف الضيفان خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مطلب : في آداب الضيافة ، وأن أول من ضيف الضيفان خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام .

النوع الثاني في آداب الضيافة : اعلم أن أول من ضيف الضيفان خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام ، وهو الأب الثالث ، وعامود العالم ، وأبو الآباء ، وإمام الحنفاء الذي اتخذه الله خليلا ، وجعل في ذريته النبوة ، والكتاب ، وهو شيخ الأنبياء كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .

فإنه صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة وجد المشركين قد صوروا فيها صورته وصورة إسماعيل ابنه ، وهما يستقسمان بالأزلام . فقال : قاتلهم الله لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام . فهو صلى الله عليه وسلم أول من ضيف الضيف ، وأول من سمي أبا الضيفان .

قال الغزالي في الإحياء : كان إبراهيم الخليل عليه السلام إذا أراد الأكل خرج ميلا ، أو ميلين يلتمس من يأكل معه فبصدق نيته دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا ، وهو أول من بنى دار الضيافة ، وجعل لها بابين كما أخرجه العسكري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن الله وسع على خليله في المال ، والخدم فاتخذ بيتا للضيافة له بابان ; يدخل الغريب من أحدهما ويخرج من الآخر وجعل في ذلك البيت كسوة الشتاء والصيف ، ومائدة منصوبة عليها طعام فيأكل الضيف ويلبس إن كان عريانا ، ويجدد إبراهيم عليه السلام .

وفد أثنى الله تعالى عليه في كتابه العزيز في إكرام ضيفه من الملائكة حيث يقول سبحانه { : هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى [ ص: 149 ] أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون }

ففي هذا من الثناء على سيدنا إبراهيم وجوه متعددة : أحدها : وصف ضيفه بأنهم مكرمون ، وهذا على أحد القولين أنه إكرام إبراهيم لهم ، والثاني : أنهم المكرمون عند الله ولا تنافي بين القولين . الثاني : قوله تعالى { إذ دخلوا عليه } فلم يذكر استئذانهم ; لأنه قد عرف بإكرام الضيفان واعتاد قراهم فبقي منزل ضيفه مطروقا لمن ورده لا يحتاج إلى استئذان ، بل استئذان الداخل دخوله . وهذا غاية ما يكون من الكرم .

الثالث : قوله لهم ( سلام ) بالرفع وهم سلموا عليه بالنصب . والسلام بالرفع أكمل ; لأنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام ، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد ، فقد حياهم بتحية أحسن من تحيتهم ، فإن قولهم سلاما يدل على سلمنا سلاما . وقوله سلام أي سلام عليكم .

الرابع : أنه حذف المبتدأ من قوله { قوم منكرون } فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال أنتم قوم منكرون .

الخامس : بناء اسم المفعول للمجهول ولم يقل إني أنكركم : وهو أحسن في هذا المقام وأبعد من التنفير ، والمواجهة بالخشونة .

( السادس ) : أنه عليه السلام راغ إلى أهله ليجيئهم بنزلهم . والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث لا يكاد يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي بخلاف من لم يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام .

( السابع ) : أنه ذهب إلى أهله فجاء بالضيافة فدل أن ذلك كان معدا عندهم مهيأ للضيافة ، ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه أو غيرهم فيشتريه ، أو يستقرضه .

( الثامن ) : قوله { فجاء بعجل سمين } دل على خدمته للضيف بنفسه ، ولم يقل فأمر لهم ، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه . وهذا أبلغ في إكرام الضيف . [ ص: 150 ]

التاسع : أنه جاء بعجل كامل ولم يأت ببعض منه . وهذا من تمام كرمه صلى الله عليه وسلم .

العاشر : وصف العجل بكونه سمينا لا هزيلا ، ومعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم ومثله يتخذ للاقتناء والتربية فآثر به ضيفانه . الحادي عشر : أنه قربه إليهم ولم يقربهم إليه ، وهذا أبلغ في الكرامة أن يجلس الضيف ، ثم تقرب الطعام إليه وتحمله إلى حضرته ولا تضع الطعام في ناحية ، ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه .

الثاني عشر : قوله { ألا تأكلون } وهذا عرض وتلطف في القول ، وهو أحسن من قوله : كلوا ومدوا أيديكم ، ونحوهما ، وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه ; ولهذا يقولون : بسم الله ، أو ألا تتصدقوا ، أو ألا تجبروا ، وما ألطف ما اعتاده أهل بلادنا عمرها الله تعالى بالإسلام والتقوى من قولهم للضيفان إذا قدموا إليهم الطعام : تفضلوا أي علينا بأكل طعامنا ، وهذا في غاية اللطف ، والحسن .

قال الإمام ابن القيم في كتابه جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام بعد ذكر ما ذكرناه : فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب ، وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم ، وكفى بهذه الآداب شرفا وفخرا ، فصلى الله على نبينا ، وعلى إبراهيم ، وعلى آلهما ، وعلى سائر النبيين .

وقال المدائني : أول من سن القرى إبراهيم الخليل عليه السلام . وأول من هشم الثريد هاشم . وأول من فطر جيرانه على طعامه في الإسلام عبيد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وهو أول من وضع موائده على الطريق ، وكان إذا خرج من بيته طعام لا يعاود منه شيء ، فإن لم يجد من يأكله تركه على الطريق .

وقال بعض الناس : من آداب المضيف أن يخدم أضيافه ويظهر لهم الغنى ، والبسط بوجهه ، فقد قيل : البشاشة خير من القرى . فكيف بمن يأتي به ، وهو ضاحك . ورحم الله تعالى من ضمن ذلك في قوله : [ ص: 151 ]

إذا المرء وافى منزلا منك طالبا قراك وأرمته إليك المسالك     فكن باسما في وجهه متهللا
وقل مرحبا أهلا ويوم مبارك     وقدم له ما تستطيع من القرى
عجولا ولا تبخل بما هو هالك     فقد قيل بيتا سالفا متقدما
تداوله زيد وعمرو ومالك     بشاشة وجه المرء خير من القرى
فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك

وقال علي بن الحسين : من تمام المروءة خدمة الرجل ضيفه كما خدمهم أبونا إبراهيم الخليل بنفسه وأهله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث