الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث العاشر إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 258 ] الحديث العاشر

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ( المؤمنون : 51 ) ، وقال تعالى : ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ( البقرة : 172 ) ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر : أشعث أغبر ، يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك ؟ . رواه مسلم .

التالي السابق


هذا الحديث خرجه مسلم من رواية فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة ، وخرجه الترمذي ، وقال : حسن غريب .

وفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرج له مسلم دون البخاري .

وقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله طيب هذا قد جاء أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة ، جواد يحب الجود خرجه الترمذي ، وفي إسناده مقال والطيب هنا : معناه الطاهر .

والمعنى أن الله تعالى مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها ، وهذا كما في [ ص: 259 ] قوله : والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون ( النور : 26 ) ، والمراد : المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها .

وقوله " لا يقبل إلا طيبا " قد ورد معناه في حديث الصدقة ، ولفظه : لا يتصدق أحد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا . . . . . . . والمراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالا .

وقد قيل : إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله : " لا يقبل الله إلا طيبا " أعم من ذلك ، وهو أنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبا طاهرا من المفسدات كلها ، كالرياء والعجب ، ولا من الأموال إلا ما كان طيبا حلالا ، فإن الطيب يوصف به الأعمال والأقوال والاعتقادات ، فكل هذه تنقسم إلى طيب وخبيث .

وقد قيل : إنه يدخل في قوله تعالى : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ( المائدة : 100 ) هذا كله .

وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث ، فقال : ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ( إبراهيم : 24 ) ، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ( إبراهيم : 26 ) ، وقال تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب ( فاطر : 10 ) ، ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث .

وقد قيل : إنه يدخل في ذلك الأقوال والأعمال والاعتقادات أيضا ، ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب ، بقوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ( النحل : 32 ) وإن الملائكة تقول عند الموت : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب ، وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم الجنة ، يقولون [ ص: 260 ] لهم : طبتم ، وقد ورد في الحديث أن المؤمن إذا زار أخاه في الله تقول له الملائكة : " طبت ، وطاب ممشاك ، وتبوأت من الجنة منزلا " .

فالمؤمن كله طيب قلبه ولسانه وجسده بما سكن في قلبه من الإيمان ، وظهر على لسانه من الذكر ، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان ، وداخلة في اسمه فهذه الطيبات كلها يقبلها الله عز وجل .

ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب مطعمه ، وأن يكون من حلال ، فبذلك يزكو عمله .

وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال ، وإن أكل الحرام ، يفسد العمل ، ويمنع قبوله ، فإنه قال بعد تقريره : " إن الله لا يقبل إلا طيبا " إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال تعالى : ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا وقال : ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم .

والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال ، وبالعمل الصالح ، فما دام الأكل حلالا ، فالعمل الصالح مقبول ، فإذا كان الأكل غير حلال ، فكيف يكون العمل مقبولا ؟ .

وما ذكره بعد ذلك من الدعاء ، وأنه كيف يتقبل مع الحرام ، فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام . وقد خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن ابن عباس ، قال : تليت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ( البقرة : 168 ) ، فقام سعد بن أبي وقاص ، فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا سعد [ ص: 261 ] أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ، والذي نفس محمد بيده ، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عمل أربعين يوما ، وأيما عبد نبت لحمه من سحت ، فالنار أولى به .

وفي " مسند " الإمام أحمد بإسناد فيه نظر أيضا عن ابن عمر قال : " من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام ، لم يقبل الله له صلاة ما كان عليه " ، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه فقال : صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويروى من حديث علي رضي الله عنه مرفوعا معناه أيضا ، خرجه البزار وغيره بإسناد ضعيف جدا .

وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ، ووضع رجله في الغرز ، فنادى : لبيك اللهم لبيك ، ناداه مناد من السماء : لبيك وسعديك وزادك حلال ، وراحلتك حلال ، وحجك مبرور غير مأزور ، وإذا خرج الرجل بالنفقة الخبيثة ، فوضع رجله في [ ص: 262 ] الغرز ، فنادى لبيك اللهم لبيك ، ناداه مناد من السماء : لا لبيك ولا سعديك ، زادك حرام ، ونفقتك حرام ، وحجك غير مبرور " . ويروى من حديث عمر بنحوه بإسناد ضعيف أيضا .

وروى أبو يحيى القتات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث