الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الثاني عشر الطلاق

الثاني عشر في : الطلاق وليعلم أنه مباح ولكنه أبغض المباحات إلى الله تعالى وإنما يكون مباحا إذا لم يكن فيه إيذاء بالباطل ، ومهما طلقها فقد آذاها ولا يباح إيذاء الغير إلا بجناية من جانبها ، أو بضرورة من جانبه ، قال الله تعالى : فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا أي : لا تطلبوا حيلة للفراق وإن كرهها أبوه فليطلقها .

قال ابن عمر ، رضي الله عنهما : كان تحتي امرأة أحبها ، وكان أبي يكرهها ويأمرني ، بطلاقها ، فراجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن عمر ، طلق امرأتك .

فهذا يدل على أن : حق الوالد مقدم ولكن والد يكرهها لا لغرض فاسد ، مثل عمر ومهما آذت زوجها وبذت على أهله فهي جانية وكذلك مهما كانت سيئة الخلق أو فاسدة الدين .

قال ابن مسعود في قوله تعالى ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة : مهما بذت على أهله ، وآذت زوجها فهو ، فاحشة وهذا أريد به : في العدة ولكنه تنبيه على المقصود .

وإن كان الأذى من الزوج ، فلها أن تفتدي ببذل مال يكره للرجل أن يأخذ منها أكثر مما أعطى فإن ذلك إجحاف بها ، وتحامل عليها وتجارة ، على البضع .

قال تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به ، فرد ما أخذته فما دونه لائق بالفداء فإن سألت الطلاق بغير ما بأس ، فهي آثمة قال صلى الله عليه وسلم : أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس ، لم ترح رائحة الجنة .

وفي لفظ آخر : فالجنة عليها حرام وفي لفظ آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال : المختلعات هن المنافقات

التالي السابق


(الثاني عشر: الطلاق) : وهو في اللغة: رفع القيد، يقال: أطلق الفرس، والأسير. وفي الشرع: رفع القيد الثابت شرعا بالنكاح. فقوله شرعا: يخرج به القيد حسا، وهو حبل الوثاق. وبالنكاح يخرج العتق; لأنه رفع قيد ثابت شرعا، لكنه لا يثبت بالنكاح، واستعمل في النكاح بلفظ التفعيل، وفي غيره بالإفعال; ولهذا لو قال لها: أنت مطلقة، بتشديد اللام، لم يفتقر إلى نية، ولو خففها، فلا بد منها، وفي مشروعية النكاح مصالح العباد، الدينية والدنيوية، وفي الطلاق إكمال لها; إذ قد لا يوافقه النكاح، فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق، وعروض البغضاء، الموجبة عدم إقامة حدود الله، فمكن من ذلك رحمة منه سبحانه، وفي جعله عددا حكمة لطيفة; لأن النفس كذوبة، ربما تظهر عدم الحاجة إلى المرأة، أو الحاجة إلى تركها، وتسر له، فإذا وقع حصل الندم، وضاق الصدر به، وعيل الصبر، فشرعه سبحانه وتعالى ثلاثا; ليجرب نفسه في المرة الأولى، فإن كان الواقع صدقها، استمر حتى تنقضي العدة، وإلا أمكنه التدارك بالرجعة، ثم إذا عادت النفس لمثل الأول، وغلبته حتى عاد إلى طلاقها، نظر أيضا فيما يحدث له، فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب وفقه في حال نفسه، ثم حرمها عليه بعد انتهاء العدد قبل أن تتزوج آخر; ليتأدب بما فيه غيظه، وهو الزوج الثاني، على ما عليه من جبلة النحولية بحكمته، ولطفه تعالى بعباده .

(وليعلم أنه) أي: الطلاق (مباح) قد أباحه الشارع; لما ذكرنا من الحكمة (ولكنه أبغض المباحات إلى الله تعالى) يشير إلى حديث: أبغض الحلال إلى الله الطلاق. والمراد بالمباح والحلال: الشيء الجائز الفعل، وإنما كان كذلك من حيث أداؤه إلى قطع الوصلة، وحل قيد العصمة المؤدي إلى التناسل، الذي به تكثير هذه الأمة، لا من حقيقته في نفسه، فإنه ليس بحرام، ولا مكروه أصالة، بل تجري فيه الأحكام الخمسة، وقد صح أنه -صلى الله عليه وسلم- آلى، وطلق، وهو لا يفعل محظورا، والمراد بالبغض هنا: غايته، لا مبدؤه، فإنه من صفات المخلوق، والباري سبحانه وتعالى منزه عنها، والقانون في أمثاله: أن جميع الأعراض النفسانية، كغضب، ورحمة، وفرح، وسرور، وحياء، وتكبر، واستهزاء، لها أوائل، ونهايات، وهي في حقه سبحانه محمولة على الغايات، لا المبادئ، وقد تقدمت الإشارة إليه، في كتاب قواعد العقائد، والحديث المذكور رواه أبو داود عن كثير بن عبيد، عن محمد بن خالد الوهبي، عن معرف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، وكذا رواه عن كثير، عن أبي داود، وابن أبي عاصم، والحسين ابن إسحاق، كما أخرجه الطبراني عنه، لكن رواه ابن ماجه في سننه، عن كثير، فجعل بدل معرف، عبيد الله بن الوليد الرصافي، وكذا هو عند تمام في فوائده، من حديث سليمان بن عبد الرحمن، ومحمد بن مسروق، كلاهما عن الرصافي، وهو ضعيف، ومن جهته أورده ابن الجوزي في العلل المتناهية، وقال الدارقطني في العلل: المرسل فيه أشبه، وكذلك صحح البيهقي إرساله، وقال: إن المتصل ليس بمحفوظ، ورجح أبو حاتم الرازي أيضا المرسل، وقال الخطابي: أنه المشهور، والله أعلم .

(وإنما يكون مباحا إذا لم يكن فيه إيذاء بالباطل، ومهما طلقها فقد آذاها) ; لأنه قطع وصلتها، وحل قيد عصمتها (ولا يباح إيذاء الغير إلا بجناية من جانبها، أو بضرورة) شديدة (من جانبه، قال الله تعالى: فإن أطعنكم ) أي: بالتوبيخ، والإيذاء، والهجر في المضاجع، والضرب ( فلا تبغوا عليهن سبيلا ) أي: فأزيلوا عنهن التعرض، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب [ ص: 392 ] له، وقيل في تفسير الآية المذكورة: (أي: لا تطلبوا حيلة للفراق) ولفظ القوت: أي: لا تطلبوا طريقا إلى الفرقة، ولا إلى خصومة، ومكروه، وهذا حينئذ على صورة النفس المطمئنة، إذا استجابت للإيمان، وطاوعتك إلى أخلاق المؤمنين، فتولها من الإرفاق، وارفق بها في منالها من المباح .

(وإن كرهها أبوه فليطلقها) ; رعاية لخاطر الأب، فإن حقه مقدم على حق الزوجة (قال) عبد الله (بن عمر، رضي الله عنهما: كان تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فيأمرني بطلاقها، فراجعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) في شأنها (فقال: يا ابن عمر، طلق امرأتك) فطلقها .

قال العراقي: رواه أصحاب السنن الأربعة، قال الترمذي: حسن صحيح، اهـ .

قلت: ورواه كذلك ابن حبان في الصحيح، وفي لفظ لهم، فقال: أطع أباك. وهذا الطلاق هو المستحب، ذكره ابن الرفعة.

(فهذا يدل على أن: حق الوالد مقدم) على حق الزوجة (ولكن والده يكرهها لا لغرض فاسد، مثل عمر) رضي الله عنه، وأين مثله؟

(ومهما آذت زوجها) قولا أو فعلا (وبذت على أهله) أي: أهل الزوج (فهي جانية) فلا يكون الطلاق في حقها إيذاء (وكذلك مهما كانت سيئة الخلق) سليطة اللسان، فظة القلب (أو) كانت (فاسدة الدين) رقيقته، فاسدة الاعتقاد، وفي القوت: فإن كانت بذية اللسان، عظيمة الجهل، كثيرة الأذى، فطلاقها أسلم لدينهما، وأروح لقلوبهما، في عاجل الدنيا، وآجل الآخرة، وقد شكا رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذا امرأته، فقال: طلقها، قال: فإني أحبها، قال: فأمسكها، إذا خشي عليه تشتت همه بفراقها مع المحبة، فتشتت القلب، أعظم من أذى الجسم .

(قال ابن مسعود) -رضي الله عنه- (في) تفسير (قوله تعالى) : و لا تخرجوهن من بيوتهن (ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة : مهما بذت على أهله، وآذت زوجها، فهي فاحشة) نقله صاحب القوت (وهذا أريد به: في العدة) ولفظ القوت: وهذا يعني به في العدة; لأن الله تعالى يقول: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ، فهو متصل بقوله: وأحصوا العدة و لا تخرجوهن من بيوتهن ، أي: في العدة، زاد المصنف: (ولكنه تنبيه على المقصود، وإن كان الأذى من الزوج، فلها أن تفتدي) نفسها منه (ببذل مال) إذا خافت أن لا يقيم حدود الله، وأن يضيع واجب حقه عليها .

(ويكره للرجل أن يأخذ) منها في الفدية (أكثر مما أعطى) إياها (فإن ذلك إجحاف بها، وتحامل عليها، ونوع تجارة على البضع) وكل ذلك منهي عنه، وقد تقدم في أول هذا الكتاب. وقد (قال) الله (تعالى) : ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ، فرد ما أخذته) منه (فما دونه لائق بالفداء) فهذا هو الخلع الجائز عند أكثر العلماء، خلافا لبكر بن عبد الله المزني التابعي، فإنه قال: بعدم حل أخذ شيء من الزوجة عوضا عن فراقها، محتجا بقوله تعالى: فلا تأخذوا منه شيئا ، فأورد عليه فلا جناح عليهما فيما افتدت به ، فأجاب: بأنها منسوخة بآية النساء، وأجيب بقوله تعالى في سورة النساء، الآية، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ، وبقوله تعالى: فلا جناح عليهما أن يصلحا الآية، وقد انعقد الإجماع بعده على اعتباره، وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة، وبآيتي النساء الأخريين، وقد تمسك بالشرط من قوله تعالى: فإن خفتم من منع الخلع، إلا إن حصل الشقاق من الزوجين معا، والجمهور على الجواز على الصداق، وغيره، ولو كان أكثر منه، لكن تكره الزيادة عليه، كما ذكره المصنف هنا، وعند الدارقطني: عن عطاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يأخذ الرجل من المختلعة أكثر مما أعطاها.

ويصح الخلع في حالتي الشقاق والوفاق، فذكر الخوف في قوله: إلا أن يخافا جرى على الغالب، ولا يكره عند الشقاق، أو عند كراهتها له لسوء خلقه، أو دينه، أو عند خوف تقصير منها في حقه، أو عند حلفه بالطلاق الثلاث من مدخول بها على فعله ما لا بد له من فعله .

وإن أكرهها بالضرب ونحوه على الخلع، فاختلعت، لم يصح; للإكراه، ووقع الطلاق رجعيا، إن لم يسم المال، فإن سماه، أو قال: طلقتك بكذا، وضربها لتقبل فقبلت، لم يقع الطلاق; لأنها لم تقبل مختارة، والله أعلم .

(فإن سألت الطلاق بغير ما بأس، فهي آثمة) أي: لا يحل لها أن تسأل زوجها طلاقا، ولا أن تختلع منه بغير رضا من مولاها، (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيما امرأة سألت زوجها طلاقها) ولفظ الجماعة: الطلاق (من غير ما بأس، لم ترح رائحة الجنة. وفي لفظ: [ ص: 393 ] فالجنة عليها حرام) وهذا وعيد شديد، لا يقابل طلب المرأة الخروج من النكاح، وقوله: من غير ما بأس: ما: زائدة للتأكيد، والبأس: الشدة، أي: في غير حال شدة تدعوها وتلجئها إلى المفارقة .

قال العراقي: رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان، من حديث ثوبان، اهـ .

قلت: وكذلك رواه أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، وصححاه، وأقره الذهبي، ولفظهم جميعا: فحرام عليها رائحة الجنة. وقال الحافظ ابن حجر: الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من طلب طلاق زوجها، محمولة على ما إذا لم يكن سبب يقتضي ذلك، كحديث ثوبان هذا، اهـ .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: المختلعات) أي: الطالبات لخلع العصمة من أزواجهن (هن المنافقات) . نقله صاحب القوت،

قال العراقي: رواه النسائي، من حديث أبي هريرة، قال العراقي: قلت: رواه الطبراني، من حديث أبي عقبة بن عامر، بسند ضعيف، اهـ .

قلت: ورواه الترمذي، من حديث ثوبان، قال في العلل: سألت محمدا، يعني: البخاري، عن هذا الحديث، فلم يعرفه، وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أحمد، والنسائي، عن أبي هريرة، وفي صحته نظر; لأن الحسن عند الأكثر، لم يسمع من أبي هريرة، اهـ. وأخرجه الديلمي، في الفردوس، وقال: المراد بالمختلعات: اللاتي يخالعن أزواجهن من غير مضادة منهم، وفي لفظ لأحمد، والنسائي، بزيادة: المنتزعات. والمراد به كما قال الطيبي: اللاتي ينزعن أنفسهن من أزواجهن، وينشزن عليهم، اهـ. والمراد بالنفاق هنا: النفاق العملي، قال ابن العربي: الغالب من النساء: قلة الرضا والصبر، فهن ينشزن على الرجال، ويكفرن العشير; فلذلك سماهن: المنافقات. والنفاق: كفران العشير، وفي الحلية لأبي نعيم، من حديث ابن مسعود: والمختلعات والمتبرجات هن المنافقات. ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة بهذا اللفظ .



(فصل)

وتعريف الخلع: فراق زوج يصح طلاقه لزوجته بعوض يحصل لجهة الزوج، بلفظ طلاق، وخلع. والمراد: ما يشملهما، وغيرهما، من ألفاظ الطلاق، والخلع، صريحا، وكناية، كالفراق، والإبانة، والمفاداة، وخرج بجهة الزوج: تعليق طلاقها بالبراءة من مالها على غيره، فيقع الطلاق في ذلك رجعيا، فإن وقع بلفظ الخلع، ولم ينو به طلاقا، فالأظهر: أنه طلاق، ينقص العدد، وكذا إن وقع بلفظ الطلاق، مقرونا بالنية، وقد نص في الإملاء: أنه من صرائح الطلاق، وفي قول: أنه فسخ، وليس بطلاق; لأنه فراق حصل بمعاوضة، فأشبه ما لو اشترى زوجته، ونص عليه في القديم، وصح عن ابن عباس، فيما أخرجه عبد الرازق، وهو مشهور مذهب أحمد; لحديث الدارقطني، عن طاوس، عن ابن عباس: الخلع فرقة، وليس بطلاق، أما إذا نوى به الطلاق، فهو طلاق قطعا، عملا بنيته، فإن لم ينو طلاقا، لا تقع به فرقة أصلا، كما نص عليه في الأم، وقواه السبكي. فإن وقع الخلع بمسمى صحيح، لزم. أو بمسمى فاسد، كخمر، وجب مهر المثل. والله أعلم .



(تنبيه)

أول خلع وقع في الإسلام: امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأس ابن ثابت أبدا، إني رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها، فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. وإن شاء زدته، ففرق بينهما. رواه معمر بن سليمان، عن فضيل، عن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقد أورده البخاري نحوه، في صحيحه، من عدة طرق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث