الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سورة الزمر باب في قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره

4992 سورة الزمر : باب في قوله تعالى : « وما قدروا الله حق قدره

وهو في النووي ، في : (باب صفة القيامة ، والجنة والنار ) .

(حديث الباب )

وهو بصحيح مسلم \ النووي ، ص 129 - 130 ج17 ، المطبعة المصرية

(عن عبد الله بن مسعود ؛ قال : جاء حبر إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : يا محمد ! -أو يا أبا القاسم !- إن الله تعالى ، يمسك السماوات -يوم القيامة- على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع . ثم يهزهن ، فيقول : أنا الملك ، أنا الملك .

فضحك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : تعجبا مما قال الحبر -تصديقا له- ، ثم قرأ : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون
» ) .

[ ص: 780 ]

التالي السابق


[ ص: 780 ] (الشرح)

(عن عبد الله بن مسعود ) رضي الله عنه : (قال : جاء حبر ) بفتح الحاء وكسرها ، والفتح أفصح . «وهو العالم ) (إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا محمد ! - أو يا أبا القاسم ! - : إن الله يمسك السموات - يوم القيامة - على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، ثم يهزهن ) .

قال النووي : هذا من أحاديث الصفات ، وفيه مذهبان ؛ التأويل ، والإمساك عنه - مع الإيمان بها ، مع اعتقاد أن الظاهر منها غير مراد - ؛ فعلى قول المتأولين : يتأولون الأصابع - هنا - على الاقتدار . أي : خلقها مع عظمها ، بلا تعب ولا ملل . والناس يذكرون الأصابع في مثل هذا : للمبالغة والاحتقار . فيقول أحدهم : «بإصبعي أقتل زيدا » . أي لا كلفة علي في قتله .

وقيل : يحتمل أن المراد : أصابع بعض مخلوقاته . «وهذا غير ممتنع » .

والمقصود : أن «يد الجارحة » مستحيلة . انتهى .

وأقول : مذهب الإمساك أوفق بظاهر الحديث ، وعليه درج السلف الصالح (من الصحابة ، والتابعين ) ومن بعدهم : من الأئمة المجتهدين .

[ ص: 781 ] وأما مذهب التأويل : فمن محدثات المتكلمين ، الخائضين في أمور لم يأذن الله لهم به فيها .

وفيه : نوع من تكذيب الكتاب ، والسنة الصريحة التي ليلها كنهارها . وإياك أن تغتر بما نحته الذين ليس لهم حلاوة الإيمان ، ولم يشرح صدرهم للإسلام : بالإخلاص .

والذي يجب على كل من يؤمن بالله ، ورسله ، وكتبه ، واليوم الآخر : أن يؤمن بأحاديث الصفات ، وبآياتها - على حد سواء - بلا كيف ، ولا عطلة ، ولا شبهة ، ولا مثال . وهذا القدر : يكفي في تحقيق التنزيه له سبحانه .

(فيقول : أنا الملك ، أنا الملك . فضحك رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : تعجبا مما قال الحبر - تصديقا له - ) .

ظاهر الحديث ؛ أن النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم : صدق الحبر في قوله : إن الله يقبض ما ذكر بالأصابع . (ثم قرأ ) الآية التي فيها الإشارة : إلى نحو ما يقول ، وهو قوله سبحانه : ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) .

قال عياض : قال بعض المتكلمين : ليس ضحكه صلى الله عليه وآله وسلم وتعجبه ، وتلاوته للآية : (تصديقا لحبر ) بل هو رد لقوله ، وإنكار وتعجب : من سوء اعتقاده ؛ فإن مذهب اليهود : التجسيم . ففهم منه [ ص: 782 ] ذلك . وقوله : «تصديقا له » إنما هو من كلام الراوي ، على ما فهم . والأول أظهر . انتهى .

وأقول : هذا الذي قاله بعض المتكلمين : «يأباه النظم السني ، ويخالفه واضح هذا الكلام ، الذي لا سترة عليه . وإنما يفهم منه التجسيم : من لا يفهم كلام الله ، ولا كلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

وإلا ، فما لنا وللتجسيم ، الذي هو من أمارات الحدوث والإمكان ، «والله سبحانه وتعالى : منزه عن الزمان ، ومقدس عن المكان ، ومطهر من الجثمان » ؟

وليس في إجراء الصفات الثابتة في القرآن والحديث : ما يستلزم التجسيم والتشبيه والتمثيل ، مع قوله تعالى : ليس كمثله شيء ، ولم يكن له كفوا أحد .

نعم ؛ في تأويل الصفات ، وتوجيهها على المحامل البعيدة ، والمنازل الشاسعة ، والاحتمالات الباردة : تعطيل لأوصافه سبحانه ، وتكذيب لصفاته ، وجحد لأسمائه وسماته ، «أعاذنا الله منها » .

قال في (فتح البيان ) معنى الآية : ما عرفوه حق معرفته . «والقبضة » في اللغة : ما قبضت عليه بجميع كفك .

[ ص: 783 ] والمراد بالأرض : الأرضون السبع .

قال الخازن : «اليمين » ليست - عندنا - بمعنى الجارحة . وإنما هي صفة جاء بها التوقيف ، فنحن نطلقها على ما جاءت ، ولا نكيفها . وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب ، والأخبار المأثورة الصحيحة . وهذا مذهب أهل السنة والجماعة .

وقال سفيان بن عيينة : كل ما وصف الله به نفسه - في كتابه - فتفسيره : تلاوته ، والسكوت عنه . انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث