الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 5091 ) مسألة ; قال : ( وأربعة أخماس الفيء لجميع المسلمين ; غنيهم وفقيرهم فيه سواء ، إلا العبيد ) لا نعلم خلافا بين أهل العلم اليوم في أن العبيد لا حق لهم في الفيء . وظاهر كلام أحمد ، والخرقي ، أن سائر الناس لهم حق في الفيء ، غنيهم وفقيرهم . ذكر أحمد الفيء فقال : فيه حق لكل المسلمين ، وهو بين الغني والفقير . وقال عمر ، رضي الله عنه : ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب ، إلا العبيد ، فليس لهم فيه شيء . وقرأ عمر : { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } حتى بلغ : { والذين جاءوا من بعدهم } ثم قال : هذه استوعبت المسلمين عامة ، ولئن عشت ليأتين الراعي بسرو حمير نصيبه منها ، لم يعرق فيها جبينه .

ولأنه مال مخموس ، فلم يختص به من فيه منفعة ، كأربعة أخماس الغنيمة . وذكر القاضي أن أهل الفيء هم أهل الجهاد من المرابطين في الثغور ، وجند المسلمين ، ومن يقوم بمصالحهم ; لأن ذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ، لحصول النصرة والمصلحة به ، فلما مات صارت للجند ، ومن يحتاج إليه المسلمون ، فصار ذلك لهم دون غيرهم ، وأما الأعراب ونحوهم ممن لا يعد نفسه للجهاد ، فلا حق لهم فيه .

والذين يغزون إذا نشطوا ، يعطون من سهم سبيل الله من الصدقة . قال : ومعنى كلام أحمد ، أنه بين الغني والفقير ، يعني الغني الذي فيه مصلحة المسلمين من المجاهدين والقضاة والفقهاء . ويحتمل أن يكون معنى كلامه ، أن لجميع المسلمين الانتفاع بذلك المال ; لكونه يصرف إلى من يعود نفعه على جميع المسلمين ، وكذلك ينتفعون بالعبور على القناطر والجسور المعقودة بذلك المال ، وبالأنهار والطرقات التي أصلحت به . وسياق كلامه يدل على أنه ليس مختصا بالجند وإنما هو مصروف في مصالح المسلمين ، لكن يبدأ بجند المسلمين ; لأنهم أهل المصالح ; لكونهم يحفظون المسلمين .

فيعطون كفاياتهم ، فما فضل قدم الأهم فالأهم من عمارة [ ص: 320 ] الثغور وكفايتها بالأسلحة والكراع ، وما يحتاج إليه ، ثم الأهم فالأهم ، من عمارة المساجد والقناطر ، وإصلاح الطرق ، وكراء الأنهار ، وسد بثوقها ، وأرزاق القضاة والأئمة والمؤذنين والفقهاء ، ونحو ذلك مما للمسلمين فيه نفع . وللشافعي قولان ، كنحو مما ذكرنا . واحتجوا على أن أربعة أخماس الفيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، بما روى مالك بن أوس بن الحدثان قال : سمعت عمر بن الخطاب ، والعباس وعلي يختصمان إليه في أموال النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب . وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا دون المسلمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقة سنته ، فما فضل جعله في الكراع والسلاح ، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فوليها أبو بكر بمثل ما وليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وليتها بمثل ما وليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر . متفق عليه . إلا أن فيه : يجعل ما بقي أسوة المال . وظاهر أخبار عمر تدل على أن لجميع المسلمين في الفيء حقا ; فإنه لما قرأ الآية التي في سورة الحشر قال : هذه الآية استوعبت المسلمين وجعل للراعي بسرو حمير منه نصيبا ، وقال : ما أحد إلا له في هذا المال نصيب .

وأما أموال بني النضير ، فيحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفق منه على أهله ; لأن ذلك من أهم المصالح ، فبدأ بهم ، ثم جعل باقية أسوة المال . ويحتمل أن تكون أموال بني النضير اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم من الفيء ، وترك سائره لمن سمي في الآية . وهذا مبين في قول عمر : وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا دون المسلمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث