الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون .

الآن إذ كشف الله دخائل من حول المسلمين من أهل الكتاب ، أتم كشف ، جاء موقع التحذير من فريق منهم ، والتحذير من الاغترار بهم ، والنهي عن الإلقاء إليهم بالمودة ، وهؤلاء هم المنافقون ، للإخبار عنهم [ ص: 63 ] بقوله وإذا لقوكم قالوا آمنا إلخ . وأكثرهم من اليهود ، دون الذين كانوا مشركين من الأوس والخزرج . وهذا موقع الاستنتاج في صناعة الخطابة بعد ذكر التمهيدات والإقناعات . وحقه الاستئناف الابتدائي كما هنا .

والبطانة - بكسر الباء - في الأصل داخل الثوب ، وجمعها بطائن ، وفي القرآن بطائنها من إستبرق وظاهر الثوب يسمى الظهارة - بكسر الظاء - والبطانة أيضا الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر ، ويسمى الشعار ، وما فوقه الدثار ، وفي الحديث الأنصار شعار والناس دثار ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وخصيصه الذي يطلع على شئونه ، تشبيها ببطانة الثياب في شدة القرب من صاحبها .

ومعنى اتخاذهم بطانة أنهم كانوا يخالفونهم ويودونهم من قبل الإسلام فلما أسلم من أسلم من الأنصار بقيت المودة بينهم وبين من كانوا أحلافهم من اليهود ، ثم كان من اليهود من أظهروا الإسلام ، ومنهم من بقي على دينه .

وقوله من دونكم يجوز أن تكون من فيه زائدة و ( دون ) اسم مكان بمعنى حولكم ، وهو الاحتمال الأظهر كقوله تعالى في نظيره ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ويجوز أن تكون من للتبعيض و ( دون ) بمعنى غير كقوله تعالى ومنا دون ذلك من غير أهل ملتكم ، وقد علم السامعون أن المنهي عن اتخاذهم بطانة هم الذين كانوا يموهون على المؤمنين بأنهم منهم ، ودخائلهم تقتضي التحذير من استبطانهم .

وجملة لا يألونكم خبالا صفة لبطانة على الوجه الأول ، وهذا الوصف ليس من الأوصاف الظاهرة التي تفيد تخصيص النكرة عما شاركها ، لكنه يظهر بظهور آثاره للمتوسمين . فنهى الله المسلمين عن اتخاذ بطانة هذا شأنها وسمتها ، ووكلهم إلى توسم الأحوال والأعمال ، ويكون قوله ودوا ما عنتم وقوله قد بدت البغضاء جملتين في محل الوصف أيضا على طريقة ترك عطف الصفات ، ويومئ إلى ذلك قوله قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون [ ص: 64 ] أي : قد بينا لكم علامات عداوتهم بتلك الصفات إن كنتم تعقلون فتتوسمون تلك الصفات ، كما قال تعالى : إن في ذلك لآيات للمتوسمين وعلى الاحتمال الثاني يجعل من دونكم وصفا ، وتكون الجمل بعده مستأنفات واقعة موقع التعليل للنهي عن اتخاذ بطانة من غير أهل ملتنا ، وهذه الخلال ثابتة لهم فهي صالحة للتوصيف ، ولتعليل النهي . ذلك لأن العداوة الناشئة عن اختلاف الدين عداوة متأصلة لا سيما عداوة قوم يرون هذا الدين قد أبطل دينهم . وأزال حظوظهم كما سنبينه .

ومعنى لا يألونكم خبالا لا يقصرون في خبالكم ، والألو التقصير والترك ، وفعله : ( ألا يألو ) ، وقد يتوسعون في هذا الفعل فيعدي إلى مفعولين ، لأنهم ضمنوه معنى المنع فيما يرغب فيه المفعول ، فقالوا لا آلوك جهدا ، كما قالوا لا أدخرك نصحا ، فالظاهر أنه شاع ذلك الاستعمال حتى صار التضمين منسيا ، فلذلك تعدى إلى ما يدل على الشر كما يعدى إلى ما يدل على الخير ، فقال هنا لا يألونكم خبالا أي لا يقصرون في خبالكم ، وليس المراد لا يمنعونكم ، لأن الخبال لا يرغب فيه ولا يسأل .

ويحتمل أنه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكم بالبطانة ، لأن شأن البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم ، فلما كان هؤلاء بضد ذلك عبر عن سعيهم بالضر ، بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير .

والخبال اختلاف الأمر وفساده ، ومنه سمي فساد العقل خبالا ، وفساد الأعضاء .

وقوله ودوا ما عنتم الود : المحبة ، والعنت : التعب الشديد ، أي رغبوا فيما يعنتكم وما هنا مصدرية ، غير زمانية ، ففعل عنتم لما صار بمعنى المصدر زالت دلالته على المضي .

ومعنى قد بدت البغضاء من أفواههم ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول فعبر بالبغضاء عن دلائلها .

[ ص: 65 ] وجملة وما تخفي صدورهم أكبر حالية .

والآيات في قوله قد بينا لكم الآيات بمعنى دلائل سوء نوايا هذه البطانة كما قال إن في ذلك لآيات للمتوسمين ولم يزل القرآن يربي هذه الأمة على إعمال الفكر ، والاستدلال ، وتعرف المسببات من أسبابها في سائر أحوالها : في التشريع ، والمعاملة لينشئها أمة علم وفطنة ، ولكون هذه الآيات آيات فراسة وتوسم ، قال إن كنتم تعقلون ولم يقل : إن كنتم تعلمون أو تفقهون ، لأن العقل أعم من العلم والفقه .

وجملة قد بينا لكم الآيات مستأنفة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث