الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الركن الثاني

في شروط العقد

وفيه ثلاثة فصول :

الفصل الأول : في الأولياء .

الثاني : في الشهود .

الثالث : في الصداق .

الفصل الأول

في الأولياء

- والنظر في الأولياء في مواضع أربعة :

الأول : في اشتراط الولاية في صحة النكاح .

الموضع الثاني : في صفة الولي .

[ ص: 399 ] الثالث : في أصناف الأولياء وترتيبهم في الولاية ، وما يتعلق بذلك .

الرابع : في عضل الأولياء من يلونهم ، وحكم الاختلاف الواقع بين الولي والمولى عليه .

الموضع الأول

[ في اشتراط الولاية في صحة النكاح ]

اختلف العلماء هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أم ليست بشرط ؟ فذهب مالك إلى أنه لا يكون نكاح إلا بولي ، وأنها شرط في الصحة في رواية أشهب عنه ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة ، وزفر ، والشعبي ، والزهري : إذا عقدت المرأة نكاحها بغير ولي وكان كفؤا جاز . وفرق داود بين البكر والثيب فقال باشتراط الولي في البكر وعدم اشتراطه في الثيب . ويتخرج على رواية ابن القاسم عن مالك في الولاية قول رابع : أن اشتراطها سنة لا فرض ، وذلك أنه روي عنه أنه كان يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي ، وأنه يجوز للمرأة غير الشريفة أن تستخلف رجلا من الناس على إنكاحها ، وكان يستحب أن تقدم الثيب وليها ليعقد عليها ، فكأنه عنده من شروط التمام لا من شروط الصحة ، بخلاف عبارة البغداديين من أصحاب مالك ( أعني : أنهم يقولون إنها من شروط الصحة لا من شروط التمام ) .

وسبب اختلافهم أنه لم تأت آية ولا سنة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلا عن أن يكون في ذلك نص ، بل الآيات والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة ، وكذلك الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط إسقاطها هي أيضا محتملة في ذلك ، والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها إلا حديث ابن عباس ، وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل ، لأن الأصل براءة الذمة ، ونحن نورد مشهور ما احتج به الفريقان ونبين وجه الاحتمال في ذلك :

فمن أظهر ما يحتج به من الكتاب من اشترط الولاية قوله تعالى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) قالوا : وهذا خطاب للأولياء ، ولو لم يكن لهم حق في الولاية لما نهوا عن العضل ، وقوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) قالوا : وهذا خطاب للأولياء أيضا .

ومن أشهر ما احتج به هؤلاء من الأحاديث ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ( ثلاث مرات ) ، وإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " خرجه الترمذي ، وقال فيه : حديث حسن .

وأما من احتج به من لم يشترط الولاية من الكتاب والسنة ; فقوله تعالى : ( فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ) قالوا : وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسها . وقالوا : وقد أضاف إليهن في غير ما آية من الكتاب الفعل فقال : أن ينكحن أزواجهن وقال : حتى تنكح زوجا غيره .

وأما من السنة : فاحتجوا بحديث ابن عباس المتفق على صحته ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " الأيم أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها " . وبهذا الحديث احتج داود في الفرق عنده بين الثيب والبكر في هذا المعنى . فهذا مشهور ما احتج به الفريقان من السماع .

فأما قوله تعالى : ( فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ) فليس فيه أكثر من نهي قرابة المرأة وعصبتها من أن [ ص: 400 ] يمنعوها النكاح ، وليس نهيهم عن العضل مما يفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد لا حقيقة ولا مجازا ( أعني : بوجه من وجوه أدلة الخطاب الظاهرة أو النص ) ، بل قد يمكن أن يفهم منه ضد هذا ، وهو أن الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم .

وكذلك قوله تعالى : ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) هو أن يكون خطابا لأولي الأمر من المسلمين أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطابا للأولياء ، وبالجملة فهو متردد بين أن يكون خطابا للأولياء أو لأولي الأمر .

فمن احتج بهذه الآية فعليه البيان أنه أظهر في خطاب الأولياء منه في أولي الأمر . فإن قيل : إن هذا عام ; والعام يشمل ذوي الأمر والأولياء ; قيل : إن هذا الخطاب إنما هو خطاب بالمنع ، والمنع بالشرع ، فيستوي فيه الأولياء وغيرهم ، وكون الولي مأمورا بالمنع بالشرع لا يوجب له ولاية خاصة في الإذن ، أصله الأجنبي ، ولو قلنا أنه خطاب للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحة النكاح لكان مجملا لا يصح به عمل ، لأنه ليس فيه ذكر أصناف الأولياء ولا صفاتهم ومراتبهم ، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، ولو كان في هذا كله شرع معروف لنقل تواترا أو قريبا من التواتر ، لأن هذا مما تعم به البلوى ، ومعلوم أنه كان في المدينة من لا ولي له ، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعقد أنكحتهم ، ولا ينصب لذلك من يعقدها ، وأيضا فإن المقصود من الآية ليس هو حكم الولاية ، وإنما المقصود منها تحريم نكاح المشركين والمشركات ، وهذا ظاهر ، والله أعلم .

وأما حديث عائشة فهو حديث مختلف في وجوب العمل به ، والأظهر أن ما لا يتفق على صحته أنه ليس يجب العمل به . وأيضا فإن سلمنا صحة الحديث فليس فيه إلا اشتراط إذن الولي لمن لها ولي ( أعني : المولى عليها ) ، وإن سلمنا أنه عام في كل امرأة فليس فيه أن المرأة لا تعقد على نفسها ( أعني : أن لا تكون هي التي تلي العقد ) بل الأظهر منه أنه إذا أذن الولي لها جاز أن تعقد على نفسها دون أن تشترط في صحة النكاح إشهاد الولي معها .

وأما ما احتج به الفريق الآخر من قوله تعالى : ( فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ) فإن المفهوم منه النهي عن التثريب عليهن فيما استبددن بفعله دون أوليائهن ، وليس هاهنا شيء يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلا عقد النكاح ، فظاهر هذه الآية - والله أعلم - أن لها أن تعقد النكاح ، وللأولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف ، وهو الظاهر من الشرع ، إلا أن هذا لم يقل به أحد ، وأن يحتج ببعض ظاهر الآية على رأيهم ولا يحتج ببعضها فيه ضعف . وأما إضافة النكاح إليهن فليس فيه دليل على اختصاصهن بالعقد ، لكن الأصل هو الاختصاص ، إلا أن يقوم الدليل على خلاف ذلك .

وأما حديث ابن عباس فهو لعمري ظاهر في الفرق بين الثيب والبكر ، لأنه إذا كان كل واحد منهما يستأذن ويتولى العقد عليهما الولي فبماذا - ليت شعري - تكون الأيم أحق بنفسها من وليها ؟ .

وحديث الزهري هو أن يكون موافقا هذا الحديث أحرى من أن يكون معارضا له ، ويحتمل أن تكون التفرقة بينهما في السكوت والنطق فقط ، ويكون السكوت كافيا في العقد ، والاحتجاج بقوله تعالى : ( فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ) هو أظهر في أن المرأة تلي العقد من الاحتجاج بقوله : [ ص: 401 ] ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) على أن الولي هو الذي يلي العقد .

وقد ضعفت الحنفية حديث عائشة ، وذلك أنه حديث رواه جماعة عن ابن جريج عن الزهري ، وحكى ابن علية عن ابن جريج أنه سأل الزهري عنه فلم يعرفه ، قالوا : والدليل على ذلك أن الزهري لم يشترط الولاية ، ولا الولاية من مذهب عائشة .

وقد احتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه قال : " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل " ولكنه مختلف في رفعه .

وكذلك اختلفوا أيضا في صحة الحديث الوارد في نكاح النبي عليه الصلاة والسلام أم سلمة وأمره لابنها أن ينكحها إياه .

وأما احتجاج الفريقين من جهة المعاني فمحتمل ، وذلك أنه يمكن أن يقال : إن الرشد إذا وجد في المرأة اكتفي به في عقد النكاح كما يكتفى به في التصرف في المال ، ويشبه أن يقال : إن المرأة مائلة بالطبع إلى الرجال أكثر من ميلها إلى تبذير الأموال ، فاحتاط الشرع بأن جعلها محجورة في هذا المعنى على التأبيد ، مع أن ما يلحقها من العار في إلقاء نفسها في غير موضع كفاءة إلى أوليائها ، لكن يكفي في ذلك أن يكون للأولياء الفسخ أو الحسبة ، والمسألة محتملة كما ترى ، لكن الذي يغلب على الظن أنه لو قصد الشارع اشتراط الولاية لبين جنس الأولياء وأصنافهم ومراتبهم ، فإن تأخر البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فإذا كان لا يجوز عليه - عليه الصلاة والسلام - تأخير البيان عن وقت الحاجة ; وكان عموم البلوى في هذه المسألة يقتضي أن تنقل اشتراط الولاية عنه صلى الله عليه وسلم تواترا أو قريبا من التواتر ، ثم لم ينقل ، فقد يجب أن يعتقد أحد أمرين : إما أنه ليست الولاية شرطا في صحة النكاح ، وإنما للأولياء الحسبة في ذلك ، وأما إن كان شرطا فليس من صحتها تمييز صفات الولي وأصنافهم ومراتبهم ، ولذلك يضعف قول من يبطل عقد الولي الأبعد مع وجود الأقرب .

التالي السابق


الخدمات العلمية