الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأحاديث الواردة في ذم الابتداع في الدين

الأحاديث الواردة في ذم الابتداع في الدين

وعن عائشة - رضي الله عنها - ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه ، فهو رد» متفق عليه .

قال بعض أهل العلم : في وصف الأمر بهذا إشارة إلى أن أمر الإسلام كمل [ ص: 21 ] واشتهر ، فمن رام الزيادة عليه ، فقد حاول أمرا غير مرضي . انتهى .

وفي رواية أخرى بلفظ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا ، فهو رد» هذا متفق عليه أيضا من حديثها .

ولأحمد : «من صنع أمرا على غير أمرنا ، فهو مردود» .

قال في «نيل الأوطار» : المراد «بالأمر» هنا : واحد الأمور ، وهو ما كان عليه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، «والرد» اسم بمعنى اسم المفعول ، كما بينته الراوية الأخرى .

قال في «الفتح» : يحتج به [على] إبطال جميع العقود المنهية ، وعدم وجود ثمراتها المترتبة عليها ، وأن النهي يقتضي الفساد; لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين ، فيجب ردها .

ويستفاد منه : أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر; لقوله : «ليس عليه أمرنا» ، والمراد به : أمر الدين .

وفيه : أن الصلح الفاسد منتقض ، والمأخوذ عليه مستحق الرد . انتهى .

وهذا الحديث من قواعد الدين; لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر .

وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء ، من تقسيم البدع إلى أقسام ، وتخصيص الرد ببعضها ، بلا مخصص من عقل ولا نقل!!

فعليك إذا سمعت من يقول : هذه بدعة حسنة بالقيام في مقام المنع ، مسندا له بهذه الكلية وما يشابهها; من نحو قوله صلى الله عليه وسلم : «كل بدعة ضلالة» طالبا لدليل تخصيص تلك البدعة ، التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة .

فإن جاءك به ، قبلته وإن كاع ، كنت قد ألقمته حجرا ، واسترحت من المجادلة .

ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث : كل فعل أو ترك وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخالفك في اقتضائه البطلان [ ص: 22 ] أو الفساد متمسكا بما تقرر في الأصول من أنه لا يقتضي ذلك ، إلا عدم أمر يؤثر عدمه في العدم; كالشرط ووجود أمر يؤثر في العدم; كالمانع ، فعليك بمنع هذا التخصيص الذي لا دليل عليه ، إلا مجرد وجود أمر يؤثر وجوده في العدم كالمانع; لما في حديث الباب من العموم المحيط بكل فرد من أفراد الأمور التي ليست من ذلك القبيل ، قائلا : هذا أمر ليس من أمره ، وكل أمر ليس من أمره رد ، فهذا رد ، وكل رد باطل ، فهذا باطل .

فالصلاة مثلا ، التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو فعل فيها ما كان يتركه ، ليست من أمره ، فتكون باطلة بنفس هذا الدليل ، سواء كان ذلك الأمر المفعول أو المتروك مانعا باصطلاح أهل الأصول ، أو شرطا ، أو غيرهما ، فليكن منك هذا على ذكر .

قال في «الفتح» : وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام ، وقاعدة من قواعده .

فإن معناه : من اخترع من الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله ، فلا يلتفت إليه .

قال النووي : هذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات ، وإشاعة الاستدلال به كذلك .

وقال الطوفي : هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع; لأن الدليل يتركب من مقدمتين .

والمطلوب بالدليل : إما إثبات الحكم ، أو نفيه . وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه; لأن منطوقه مقدمة كلية ، مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس : هذا ليس من أمر الشرع ، وكل ما كان كذلك ، فهو مردود ، فهذا العمل مردود . فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الدليل ، وإنما يقع النزاع في الأولى .

ومفهومه : أن من عمل عملا عليه أمر الشرع ، فهو صحيح ، فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه ، لاستقل [ ص: 23 ] الحديثان بجمع أدلة الشرع ، لكن هذا الثاني لا يوجد ، فإذن حديث الباب نصف أدلة الشرع . انتهى كلام «النيل» ، وما أبلغه وأدله على المراد!

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث