الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني الرؤية الجمالية في القرآن الكريم خلاصة تركيبية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الفصل الثاني

الرؤية الجمالية في القرآن الكريـم

خلاصة تركيبية

خلصنا في الفصل السابق من هذا البحث، إلى أن الرؤية الجمالية في القرآن الكريم، تتأسس على مجموعة من المفاهيم، كل واحدة منها يمكن أن تشكل حقلا دلاليا مستقلا، يمد الباحث بمساحات لا متناهية من النظر والتأمل، وتسعف الناظر الحصيف بإشارات هادية، ومعطيات بانية، لما يمكن أن يكون المدماك الأساس لعلم جمال قرآني، ينطلق من الأسس المعرفية القرآنية بعد اكتشافها و تبويبها وتأصيلها، ثم يعود إلى المتن القرآني ذاته، لإبراز التجليات الجمالية الكامنة فيه، وإظهارها على النحو الذي يليق بقدسية هذا الكتاب، واستنباط الدلالات الربانية والقصود الروحية، الثاوية خلف هاتيك التجليات، والتي نرى أنها مقصودة بالاعتبار عند الشارع الحكيم. [ ص: 93 ]

إن المفاهيم الأربعة التي حللناها في السابق [1] ، يـمكن اعتبارها ركائز أساسية لعلم الجمال القرآني، ومن شأن تغييب واحدة منها وتحييدها عند التحليل، أن يخل بنصاعة الرؤية وشموليتها، ويشوش الصورة الجمالية، التي نرى أن المفاهيم الأربعة، تمدها بالضياء، وتظهر جوانب خفية لا يمكن الوصول إليها، دون تكأة على هاته المفاهيم، التي يرى الباحث "توشيهيكو إيزوتسو"

[2] ، أن كل واحدة منها يعتبر "مفهوم بؤرة" [3] ، يـمكن [ ص: 94 ] الانطلاق منه لتشييد بنيان جمالي، يسمو بنسبته للقرآن الكريم، ويعلو على الحـدود الضيقة، التي وضعها البشر للجمـال، والعلوم المرتبطـة به أصلا أو استمدادا.

ولعل الإشارة الأولى التي يجدر البدء بها في هذا الصدد، ما نلاحظه من شمول وتنوع في الرؤية الجمالية للقرآن الكريم، رؤية تلحظ الجمال وتـبديه وتكشف عنه على نحو غير مسبوق، في مجالات لـم يعهد الفكر الإنساني وجودا للجمال فيها، كما هو الحال في التعبيرات القرآنية المرتبطة بـ"الصبر الجميل" و"الصفح الجميـل" و"السـراح الجميل" [4] و"الهجر الجميل" [5] ، بل إن الرؤية القرآنية تتعدى ذلك، إلى اعتبار الجمال شأنا عاما، يعني دفعة واحدة كل الناس، على اختلاف مستوياتهم ومعارفهم وأذواقهم، ومن ثم فهو ليس حكرا على الطبقة التي تحترف الفن أو تتخذه صنعة لها ومهنة، أو تلك التي يسعفها اليسار وسعة الرزق، من التوفر على الوقت [ ص: 95 ] الكافي لتملي الجمال والاستمتاع به، أو المال اللازم لاقتناء لوحة فنية جميلة، أو زيارة معرض أو متحف أو مكان يحوي الجمال ويدل عليه.

إن الرؤية القرآنية تدعو الجميع لاكتشاف الجمال، باعتباره وسيلة للدلالة على الخالق، ولكونه أداة لاكـتشاف النعم المختـلفة التي أكرم الله بها الإنسان، اكتشاف تكون بدايته الاستمتاع بهاته النعم، و نهايته التلذذ بعبادة مسبغها ومانحها، عبادة لا تنتهي روعتها، ولا تحصر تجلياتـها، تماما كما لا تنتهي امتدادات الجمال في الأنفس والأكوان، ولا تحصر آفاقه في الزمان والمكان، يقول سيد قطب رحمه الله، في تعليقه على قوله تعالى: ( فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ) (النمل:60): "حدائق بهيجة ناضرة حية جميلة مفرحة، ومنظر الحدائق يبعث في القلب البهجة والنشاط والحيوية، كما أن تأمل هذه البهجة والجمال الناضر الحي الذي يبعثها كفيل بإحياء القلوب، وتدبر آثار الإبداع في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب. وإن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها، ليعجز عنه أعظم رجال الفنون من البشر، كما أن تموج الألوان وتداخل الخطوط وتنظيم الوريقات في الزهرة الواحدة، ليبدو معجزة تتقاصر دونها عبقرية الفن في القديم والحديث" [6] .

في ضوء ذلك، نفهم العبرة الجليلة من التوجيه الإلهي اللطيف المتضمن في قوله تعالى: ( وعلى الله قصد السبيل ) (النحل:9)، الوارد في نهاية الآية [ ص: 96 ] الجليلة التي وقفنا عندها مليا في الفصل السابق [7] : ( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم * والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون * وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ) (النحل:5-9). إن هذا التوجيه مفاده، أن المقصود المعتبر من ذكر جمال الأنعام وفوائدها، هو دلالتها على مبدعها وخالقها، وكأن الحق سبحانه يقول: لا يغرنكم جمال الأنعام، ولا يلهينكم تملي ما فيها من مباهج وفوائد، عن خالقها الذي وصف نفسه بـ"الجميل".

هذا المعنى نفسه، نجده ثاويا في الموقف الجمالي القوي الذي يعرض له القرآن الكريم حكاية عن نبي الله سليمان، عليه السلام: ( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب * إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد * فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب * ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) (ص:30-32)، فقد روى المفسرون أن سليمان، عليه السلام، غنم خيلا فارهة الجمال والقوة من جهاده، ولما عرضت عليه: "ظل ينظر إليها ويتمتع بجمالها حتى فاته وقت [ ص: 97 ] صلاة العصر، فأمر بها فعقرت" [8] ، وهو الذي عبر عنه بقوله تعالى: ( فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) (ص:32)، ومن دلالات المسح في اللغة "القطع بالسيف" [9] ، كما قال ابن كثير، رحمه الله.

إن منظر الخيل، وهي مهيأة للاستعراض، في أبهى صورة وأجمل منظر، يأخذ بالألباب، فـ"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" [10] ، ومشهدها الجميل يشغل ويلهي، لكن ليس إلى الحد الذي يفتن صاحبه عن الواجب، إذ المتعة المتحققة في مناجاة الله تعالى، والقيام بين يديه بالواجب، أعظم وأجل من كل المتع والملذات، لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينادي بلالا بالمسارعة لرفع نداء الصلاة: ( أرحنا بها يا بلال ) [11] ، طلبا للراحة، ونشدانا للجمال الروحي الذي يستشعره العابد المتبتل في محراب الصلاة. [ ص: 98 ]

لذلك، لـما أحس نبـي الله سليمان، عليه السلام، وهو مأخوذ بجمال الخيل، مفتون بروعتها وتألقها، لـما أحس بخروج تجربته الجمالية هاته عن حدود قصد الشارع، آب إلى ربه عز وجل: ( إنه أواب ) ، ورجع إليه تعالى، وغاب عن رؤية جمال الخيل في رؤية جمال محبوبه وربه، فكان أن أبدله الله بخير وأسرع منها، إنها الريح التي سخرها الله له، قال تعالى: ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب * قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد * وآخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) (ص:33-40).

تأسيسا على ذلك، فإن السياقات القرآنية التي تتحدث عن الجمال وآفاقه، لا تخرج عن الإطار السابق، وهو التذكير الدائم والربط الشديد بين آيات الجمال ومبدعها، بين تجليات الجمال ومنشئها، فالله تعالى هو أصل الجمال الذي يجب التوجه إليه، عبر ما بثه في الكون من شواهد وتجليات: ففي سورة "ق" دعوة صريحة لإعمال النظر الجمالي في مشهدين جليلين من كبريات المشاهد الكونية التي يتجلى فيها بديع صنع الله وجميل خلقه؛ مشهد السماء والأرض: ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج * تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) (ق:6-8). [ ص: 99 ]

إن هذه الدعوة الجمالية مؤسسة على ضرورة اكتشاف الزينة التي تتميز بها السماء، فهي كما ذهب إلى ذلك أغلب المفسرين [12] ، موشاة بالمصابيح: ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) (الملك:5)، وبالقمر: ( وجعل القمر فيهن نورا ) (نوح:16)، وبالشمس: ( وجعل الشمس سراجا ) (نوح:16)، وبالعرش، وبالكرسي، وباللوح المحفوظ، وبالقلم.

إن التأمل الأولي في مكونات الزينة التي تؤثث المشهد الجمالي للسماء، يضعنا أمام حقيقة جديرة بالتنويه، وهي أن الجمال الحقيقي لا يتأسس على الأبعاد المادية فقط، بل يجب أن يتعداها إلى مكونات أخرى، تسمها بالتميز والفرادة، ولذلك يجب ألا نقتصر في اكتشافنا وتأملنا الجمالي للسماء، على المصابيح والقمر والشمس، بل إن سر جمال السماء، يكمن في ما تحويه من خصوصيات تختزن الجمال وتدل عليه، بل تنتجه وتشيعه في الآفاق والأنفس، وهذا متحقق بدرجة عالية، بمجرد استحضار المرء وذكره لـ"العرش" و"الكرسي" و"اللوح المحفـوظ" و"القلم"، وهي مكونات لا تحيل فقط على جمال الله تعالى، بل على جلاله وعظمته وكبريائه بدرجة أولى وأخص، ونعتقد أن هذا المعنى هو المقصود بالاعتبار في قوله تعالى: ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ) (ص:27)، فهي: "قبلة [ ص: 100 ] الدعاء، إذ الأيدي ترفع إليها، والوجوه تتوجه نحوها، وهي منـزل الأنوار، ومحل الضياء والصفاء والطهارة، والعصمة من الخلل والفساد" [13] .

لذلك، إذا كانت السماء بهذا الوصف، وجب أن تكون آية في الجمال، بحيث لا يرد فيها عيب، ولا يلحظ فيها فتق، وهذا ما تنبه إليه الآية الشريفة: ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ) (ق:6) [14] ، وذلك راجع: "لـملاستها وسلامتها من كل عيب وخلل" [15] ، وتحقيق لما في جمالها من: "معاني الاستواء والحكمة والدقة في الصنع" [16] ، لدرجة أن الناس يشاهدونها كأنها كرة متصلة الأجزاء ليس بين أجزائها تفاوت أو تزحزح يشوه تألقها في الفضاء، رغم عوادي الزمان والحركة الدائبة التي لا تعرف السكون في جنباتها وأرجائها، "وهذا من عجيب الصنع إذ يكون جسم عظيم كجسم كرة الهواء الجوي مصنوعا كالمفروغ في قالب. وهذا مشاهد لجميع طبقات الناس على تفاوت مداركهم، ثم هم يتفاوتون في إدراك ما في هذا الصنع من عجائب التئام كرة [ ص: 101 ] الجو المحيط بالأرض ولو كان في أديم ما يسمى بالسماء تخالف من أجزائه لظهرت فيه فروج وانخفاض وارتفاع" [17] .

هكذا يعيش المؤمن في عوالـم لا متناهية من الجمال، فحيثما ولى وجهه يجد آيات الله تناديه وتدعوه لاكتشاف النور والضياء الكامن فيها، فالأرض التي يعيش فيها آية متجددة العطاء، معين جمالها لا ينضب، بل إنه يـمتد بامتدادها، ويتجذر في كيانها تجذر الجبال الرواسي، ويتنوع تنوع الأزواج البهيجة التي أنبتها الله فيها من كل صنف ونوع: ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ) (ق:6-8) [18] ، ومثله قوله تعالى: ( ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ) (فصلت:39)، إنه مشهد يستحق التأمل والنظر، وفيه تبدو الأرض ذابلة شاحبة، فإذا جاء الغيث استنفرت طاقتها لتكشف عن زينتها، واهتزت فرحا وحبورا لقدرتها على إمتاع الناس ومؤانستهم، بإخراج كنوزها المختلفة الألوان، لذلك نذهب مع العلامة اليوسي، رحمه الله، إلى أن الآية [ ص: 102 ] السابقة تتضمن استعارة تمثيلية، وفيها شبه الحق سبحانه: "حال جدوبة الأرض وخلوها من النبات ثم إحياء الله تعالى إياها بالمطر وانقلابها من الجدوبة إلى الخصب وإنبات كل زوج بهيج، بحال شخص كئيب كاسف البال رث الهيئة لا يؤبه به، ثم إذا أصابه شيء من متاع الدنيا وزينتها تكلف بأنواع الزينة والزخارف فيختال في مشيه زهوا، فيهتز بالإعطاف خيلاء وكبرا، فحذف المشبه واستعمل الخشوع والاهتزاز دلالة على مكانه ورجح اعتبار التمثيل" [19] .

بعد هذا، نعود لنؤكد أن هذا الحشد الهائل من التصوير الجمالي الرائق، الذي أمسكنا بـملمح يسير منه، إنـما جاء لحقيقة واحدة، وهي اعتباره:- [20] - [21] ( تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ) (ق:8)، إنه: "وصف يفيد ذكره في تقوية الاستدلال على دقة صنع الله تعالى، وإدماج الامتنان عليهم بذلك ليشكروا النعمة ولا يكفروها بعبادة غيره" [22] ، إضافة إلى أنه "برهان قاطع آخر على البعث" [23] . [ ص: 103 ]

إن الجمال هنا سبيل يـمهد لمعرفة الحق: ( ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير * وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) (الحج:6-7)، معرفة تنطلق من التسليم لله تعالى بمطلق القدرة على التصرف في الكون، إماتة وإحياء، وتنتهي بالإيمان الذي لا يخالطه شك في صحة البعث والنشور، وأن بعد الحياة الدنيا، قبر وحساب، وبعث وجزاء، وخلود لا موت بعده أبدا.

هاهنا وقفة لطيفة، يجب التنبه إليها، وهي المرتبطة بالأبعاد الروحية والمقاصد الغيبية للجمال في القرآن الكريم، فالجمال ليس مطلوبا لذاته، ولكنه وسيلة تسعف المؤمن المنيب لمعرفة الحق، وتهديه برفق إليه، وتحضه على العيش مع (الغير) على وفقه: "وخص العبد الـمنيب بالتبصرة والذكرى، وإن كان فيما ذكر من أحوال الأرض إفادة التبصرة والذكرى لكل أحد، لأن العبد الـمنيب هو الذي ينتفع بذلك فكأنه هو المقصود من حكمة تلك الأفعال، وهذا تشريف للمؤمنين وتعريض بإهمال الكافرين التبصر والتذكر" [24] .

في ضوء هذا الفهم، يـمكن أن نفسر الآيات التي تدعوا إلى تحريم قتل النفس بغير حق، تفسـيرا جماليا، مؤداه أن قتل النفس البشرية، هو تعد صارخ على جزء من تجليات الجمال الإلهي، التي أبدعها في الإنسان: [ ص: 104 ] ( وصوركم فأحسن صوركم ) (التغابن:3)، لذلك حرم الله تعالى قتله بغير حق، أو إيذاءه أو احتقاره. والقرآن الكريم مليء بالتوجيهات التي تنصح بالمحافظة على هذا المخلوق الجميل، قال تعالى: ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) (المائدة:32). وقال تعالى: ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) (الأنعام:151).

وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ما يزكي ذلك ويعضده، قال صلى الله عليه وسلم : ( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلـما ستره الله يوم القيامة ) [25] . وقـال صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، [ ص: 105 ] ولا تناجشـوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا ) [26] .

إن الفهم الذي درجت عليه كتب التفسير والحديث لهاته النصوص، هي أن العلاقة بين بني البشر تتأسس على منظومة متكاملة من المبادئ والقيم، والأوامر والنواهي، لكن الفهم الذي نقترحه لها، يتجاوز ذلك كله، ويرفع السلوكات المطلوب القيام بها إلى درجة اعتبارها تصرفات جمالية، تكشف عن خلفية صاحبها المحترمة للجمال، العاشقة لتأطير تصرفاتها ومواقفها، بل وانفعالاتها وردود أفعالها على وفقه، وتعكس رهافة حسه الجمالي، وشفافية روحه، التي حملها حب الجمال الإلهي على احترام حياة الناس، والمسارعة إلى إسعادهم وتفريج الكرب عنهم، وحسن الظن بهم، وكم هو كبير الفرق بين من يـقدم على هاته المواقف، وهو محكوم بهاجس الرهبة والخوف، أو الأمر والنهي، وبين من يقدم عليها مستمتعا بما فيها من تجربة جمالية، تحضه دائما على إشاعة الخير والإكثار منه، وما الخير والجمال إلا وجهان لعملة واحدة، يتكاملان في العطاء، ويتماهيان في الغاية والمقصد.

تأسيسا على ذلك، نخلص إلى أن دلالة الجمال في القرآن الكريم واحدة، والجهة التي يخدمها واحدة، والقصد الذي يتوجه إليه واحد، والبغية التي ينشدها في كل ذلك، هي منشئ الجمال، ومسبغه ومسبله على الكائنات، عبادة له، وخضوعا لإرادته سبحانه. [ ص: 106 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث