الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الباب الثاني .

في علم الكسب بطريق البيع ، والربا ، والسلم ، والإجارة ، والقراض ، والشركة .

وبيان شروط الشرع في صحة هذه التصرفات ، التي هي مدار المكاسب في الشرع .

اعلم أن تحصيل علم هذا الباب ، واجب على كل مسلم مكتسب ; لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم وإنما هو طلب العلم المحتاج إليه والمكتسب يحتاج إلى علم الكسب ومهما حصل علم هذا الباب ، وقف على مفسدات المعاملة فيتقيها ، وما شذ عنه من الفروع المشكلة فيقع على سبب إشكالها ، فيتوقف فيها إلى أن يسأل فإنه إذا لم يعلم أسباب الفساد بعلم جملي فلا يدري متى يجب عليه التوقف والسؤال ولو قال لا أقدم العلم ولكني أصبر إلى أن تقع لي الواقعة فعندها أتعلم وأستفتي فيقال له : وبم تعلم وقوع الواقعة ؟ مهما لم تعلم جمل مفسدات العقود ، فإنه يستمر في التصرفات ويظنها صحيحة ، مباحة فلا بد له من هذا القدر من علم التجارة ; ليتميز له المباح عن المحظور وموضع الإشكال عن موضع الوضوح ; ولذلك روي عن عمر رضي الله عنه : أنه كان يطوف السوق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول : لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى وعلم العقود كثير ، ولكن هذه العقود الستة لا تنفك المكاسب عنها وهي البيع والربا والسلم والإجارة والشركة والقراض فلنشرح شروطها .

العقد الأول .

البيع .

وقد أحله الله تعالى

التالي السابق


(الباب الثاني: في علم الكسب بطريق البيع، والربا، والسلم، والإجارة، والقراض، والشركة) * فهذه ستة طرق للاكتساب (وبيان شروط الشرع في صحة هذه التصرفات، التي هي مدار المكاسب) أي: تدور عليها، ولا تخرج عنها (اعلم أن تحصيل علم هذا الباب، واجب على كل مكتسب; لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم) رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم الكلام عليه مبسوطا في كتاب العلم (وإنما هو طلب العلم المحتاج إليه) وهو أحد التأويلات في شرح الحديث المذكور، ومرت الإشارة إليه هناك (والمكتسب) على كل حال (محتاج إلى علم الكسب) الذي به يعرف ما يكتسبه، وكيف يكتسب (ومهما حصل) لنفسه (علم هذا الباب، وقف على مفسدات المعاملة) على التفصيل (فيتقيها، وما شذ عنه) وانفرد (من الفروع المشكلة) منها، التي لم تدخل تحت حيطتها (فيقع على سبب إشكالها، فيتوقف فيها إلى أن يسأل) ذوي المعرفة عنها (فإنه إذا لم يعلم أسباب الفساد بعلم جلي) أي: إجمالي (لا يدري متى يجب عليه التوقف والسؤال) وهذا ظاهر .

(ولو قال لا أخدم العلم) في شيء من ذلك (ولكني أصبر) زمانا من العمر (إلى أن تقع لي الواقعة) واحتجت إلى ذلك (فعندها أتعلم هذا العلم) وأشتغل به (وأستفتي) علماء الوقت، فيما أتوقف، وفي نسخة: وأستقصي، أي: أطلب النهاية (فيقال له: وبم تعلم وقوع الواقعة؟ مهما لم تعلم جل مفسدات العقود، فإنه يستمر في التصرفات) على ما جرت به العادات (ويظنها صحيحة، مباحة) وقد داخلها الفساد المانع عن الصحة، وهو لا يدري (فلا بد له من هذا القدر من علم التجارة; ليتميز له المباح عن المحظور) الشرعيين (وموضع الإشكال عن موضع الوضوح; ولذلك روي عن) أمير المؤمنين (عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه: أنه كان يطوف) أي: يدور (في السوق) أي: سوق المدينة، وفي نسخة: من الأسواق (ويضرب بعض التجار بالدرة) بالكسر، سوط من جلد (ويقول: لا يبيع في سوقنا) هذا، والمراد: أسواق المسلمين (إلا من تفقه) أي: من فقه في معاملاته (وإلا أكل الربا) الذي حرمه الله تعالى (شاء أم أبى) أي: يقع فيه بحيث لا يدري، وهذا القول نقله صاحب القوت، وأورده الإسماعيلي، والذهبي، كلاهما في مناقب عمر، رضي الله عنه .

(وعلوم العقود كثيرة، ولكن هذه العقود الستة) المذكورة (لا ينفك المكاسب عنها) غالبا، وسواها يقع على الندرة (فلنشرح شروطها) ونكشف عن وجوه الحق مروطها .

* (العقد الأول: البيع) *

قال صاحب الإقليد: مصدر مفرد، على بابه، ويجمع; لاختلاف أنواعه، واشتقاقه من مد الباع، يمنعه اختلافهما في المضارع، اهـ .

وقال الحراني: البيع: رغبة المالك عما في يده إلى ما في يد غيره، والشراء: رغبة المستهلك فيما في يد غيره معاوضة، بما فيه يده، مما رغب عنه; فلذلك كل شار بائع، وقال صاحب المصباح: أصله مبادلة مال بمال، [ ص: 423 ] يقولون: بيع رابح، وبيع خاسر، وذلك حقيقة في وصف الأعيان، لكنه أطلق على العقد مجازا; لأنه سبب التمليك، والتملك .

وقولهم: صح البيع، أو بطل، ونحوه، أي: صيغة البيع، لكن لما حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو مذكر، أسند الفعل إليه بلفظ التذكير .

والبيع من الأضداد، لا الشراء، ويطلق على كل من العاقدين، أنه بائع ومشتر، لكن إذا أطلق البائع، فالمتبادر للذهن باذل السلعة .

ومن أحسن ما وسم به البيع: أنه تمليك عن مالية، أو منفعة مباحة، على التأبيد، بعوض مالي، اهـ .

وقال أصحابنا: هو شرعا: مبادلة المال بالمال بالتراخي. ولغة: هو مطلق المبادلة، من غير تقييد، بالتراخي .

وكونه مقيدا به ثبت شرعا بقوله تعالى: إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم

(وقد أحل الله البيع وحرم الربا) وثبت ذلك بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: وأحل الله البيع وحرم الربا .

وأما السنة: فنحو ما روي عن رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن أطيب الكسب؟ فقال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور. وروي أنه صلى الله عليه وسلم، باع قدحا، وحلسا. وكانوا يتبايعون، فأقرهم عليه .

وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على جوازه، وأنه أحد أسباب الملك .




الخدمات العلمية