الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 131 ] القسم الحادي والعشرون المبالغة وهي أن يكون للشيء صفة ثابتة ; فتزيد في التعريف بمقدار شدته أو ضعفه ; فيدعى له من الزيادة في تلك الصفة ما يستبعد عند السماع ; أو يحيل عقله ثبوته .

ومن أحسنها قوله تعالى : أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ( النور : 40 ) وهي ظلمة البحر ، وظلمة الموج فوقه ، وظلمة السحاب فوق الموج .

وقوله تعالى : وبلغت القلوب الحناجر ( الأحزاب : 10 ) أي : كادت تبلغ ; لأن القلب إذا زال عن موضعه مات صاحبه .

وقيل : هو حقيقة ، وإن الخوف والروع يوجب للخائف أن تنتفخ رئته ، ولا يبعد أن ينهض بالقلب نحو الحنجرة ، ذكره الفراء وغيره .

أو أنها لما اتصل وجيبها واضطرابها بلغت الحناجر .

ورد ابن الأنباري تقدير " كادت " فإن " كاد " لا تضمر .

وقوله تعالى : وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ( إبراهيم : 46 ) .

وقوله تعالى : تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا ( مريم : 90 - 91 ) .

ومنه المبالغة في الوصف بطريق التشبيه ; كقوله تعالى : إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر ( المرسلات : 32 - 33 ) .

وقد يخرج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة ، وهو مجاز ; كقوله تعالى : وجاء ربك والملك صفا صفا ( الفجر : 22 ) فجعل مجيء جلائل آياته مجيئا له سبحانه على المبالغة .

[ ص: 132 ] وكقوله سبحانه : ووجد الله عنده فوفاه حسابه ( النور : 39 ) فجعل نقله بالهلكة من دار العمل إلى دار الجزاء وجدانا للمجازي .

ومنه ما جرى مجرى الحقيقة ، كقوله تعالى : يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ( النور : 43 ) فإن اقتران هذه بـ " يكاد " صرفها إلى الحقيقة ; فانقلب من الامتناع إلى الإمكان .

وقد تجيء المبالغة مدمجة ، كقوله تعالى : سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ( الرعد : 10 ) فإن المبالغة في هذه الآية مدمجة في المقابلة ، وهي بالنسبة إلى المخاطب لا إلى المخاطب ; معناه أن علم ذلك متعذر عندكم ; وإلا فهو بالنسبة إليه سبحانه ليس بمبالغة .

وأما قوله تعالى : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ( الكهف : 109 ) الآية فقيل : سببها أن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له : كيف عنفنا بهذا القول : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( الإسراء : 85 ) ونحن قد أوتينا التوراة ، وفيها كلام الله وأحكامه ، ونور وهدى ؟ ! فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : التوراة قليل من كثير ونزلت هذه الآية .

وقيل : إنما نزلت ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ( لقمان : 27 ) .

قال المفسرون : والغرض من ذلك الإعلام بكثرة كلماته ; وهي في نفسها غير [ ص: 133 ] متناهية ، وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى ; لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة .

وقال بعض المحققين : إن ما تضمنت الآية أن كلمات الله تعالى لم تكن لتنفد ، ولم تقتض الآية أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور ; وكما قال الخضر عليه السلام : " ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر حين غمس منقاره فيها " .

وعد بعضهم من هذا القبيل ما جاء من المبالغة في القرآن من الإغضاء عن العيوب ، والصفح عن الذنوب ، والتغافل عن الزلات ، والستر على أهل المروءات ، كقوله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ( الأعراف : 199 ) .

وقيل في تفسيره : أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك .

وقوله تعالى : ادفع بالتي هي أحسن ( فصلت : 34 ) الآية .

تنبيه تحصل مما سبق أن قصد المبالغة يستلزم في الحال الإيجاز : إما بالحذف ، وإما بجعل الشيء نفس الشيء ، أو يتكرر لفظ يتم بتكرره التهويل والتعظيم ، ويقوم مقام أوصاف ; كقوله تعالى : الحاقة ما الحاقة ( الحاقة : 1 - 2 ) .

وقد نص سيبويه على هذا كله في مواضع شتى من كتابه لافتراقها في أحكام .

فائدة : اختلف في المبالغة على أقوال : أحدها : إنكار أن تكون من محاسن الكلام لاشتمالها على الاستحالة .

[ ص: 134 ] والثاني : أنها الغاية في الحسن ، وأعذب الكلام ما بولغ فيه ، وقد قال النابغة :

لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

والثالث : وهو الأصح ; أنها من محاسن الكلام ; ولا ينحصر الحسن فيها ; فإن فضيلة الصدق لا تنكر ، ولو كانت معيبة لم ترد في كلام الله تعالى ، ولها طريقان : أحدهما : أن يستعمل اللفظ في غير معناه لغة ، كما في الكناية والتشبيه والاستعارة وغيرها ، من أنواع المجاز .

والثاني : أن يشفع ما يفهم المعنى بالمعنى على وجه يقتضي زيادة ; فتترادف الصفات بقصد التهويل ، كما في قوله تعالى : في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ( النور : 40 )

التالي السابق


الخدمات العلمية