الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون

وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون

عطف على جملة تكذبون بالدين تأكيدا لثبوت الجزاء على الأعمال .

وأكد الكلام بحرف إن ولام الابتداء لأنهم ينكرون ذلك إنكارا قويا .

و لحافظين صفة لمحذوف تقديره : لملائكة حافظين ، أي : محصين غير مضيعين لشيء من أعمالكم .

وجمع الملائكة باعتبار التوزيع على الناس ، وإنما لكل أحد ملكان ، قال تعالى : إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، وقد روي عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - أن لكل أحد ملكين يحفظان أعماله ، وهذا بصريح معناه يفيد أيضا كفاية عن وقوع الجزاء ، إذ لولا الجزاء على الأعمال لكان الاعتناء بإحصائها عبثا .

وأجري على الملائكة الموكلين بإحصاء أعمالهم أربعة أوصاف هي : الحفظ ، والكرم ، والكتابة ، والعلم بما يعمله الناس .

وابتدئ منها بوصف الحفظ ; لأنه الغرض الذي سبق لأجله الكلام الذي هو إثبات الجزاء على جميع الأعمال ، ثم ذكرت بعده صفات ثلاث بها كمال الحفظ والإحصاء ، وفيها تنويه بشأن الملائكة الحافظين .

[ ص: 180 ] فأما الحفظ : فهو هنا بمعنى الرعاية والمراقبة ، وهو بهذا المعنى يتعدى إلى المعمول بحرف الجر ، وهو ( على ) لتضمنه معنى المراقبة . والحفيظ : الرقيب ، قال تعالى : الله حفيظ عليهم .

وهذا الاستعمال هو غير استعمال الحفظ المعدى إلى المفعول بنفسه فإنه بمعنى الحراسة نحو قوله يحفظونه من أمر الله . فالحفظ بهذا الإطلاق جمع معنى الرعاية والقيام على ما يكون إلى الحفيظ ، والأمانة على ما يوكل إليه .

وحرف على فيه للاستعلاء لتضمنه معنى الرقابة والسلطة .

وأما وصف الكرم فهو النفاسة في النوع كما تقدم في قوله تعالى : قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل .

فالكرم صفتهم النفسية الجامعة للكمال في المعاملة وما يصدر عنهم من الأعمال ، وأما صفة الكتابة فمراد بها ضبط ما وكلوا على حفظه ضبطا لا يتعرض للنسيان ولا للإجحاف ولا للزيادة ، فالكتابة مستعارة لهذا المعنى ، على أن حقيقة الكتابة بمعنى الخط غير ممكنة بكيفية مناسبة لأمور الغيب .

وأما صفة العلم بما يفعله الناس فهو الإحاطة بما يصدر عن الناس من أعمال وما يخطر ببالهم من تفكير مما يراد به عمل خير أو شر وهو الهم .

و ما تفعلون يعم كل شيء يفعله الناس وطريق علم الملائكة بأعمال الناس مما فطر الله عليه الملائكة الموكلين بذلك .

ودخل في ما تفعلون الخواطر القلبية ; لأنها من عمل القلب أي : العقل فإن الإنسان يعمل عقله ويعزم ويتردد ، وإن لم يشع في عرف اللغة إطلاق مادة الفعل على الأعمال القلبية .

واعلم أنه ينتزع من هذه الآية أن هذه الصفات الأربع هي عماد الصفات المشروطة في كل من يقوم بعمل للأمة في الإسلام من الولاة وغيرهم ، فإنهم حافظون لمصالح ما استحفظوا عليه ، وأول الحفظ الأمانة وعدم التفريط ، فلا بد فيهم من الكرم وهو زكاة الفطرة ، أي : طهارة النفس .

[ ص: 181 ] ومن الضبط فيما يجري على يديه بحيث لا تضيع المصالح العامة ولا الخاصة بأن يكون ما يصدره مكتوبا ، أو كالمكتوب مضبوطا لا يستطاع تغييره ، ويمكن لكل من يقوم بذلك العمل بعد القائم به ، أو في مغيبه أن يعرف ماذا أجري فيه من الإعمال ، وهذا أصل عظيم في وضع الملفات للنوازل والتراتيب ، ومنه نشأت دواوين القضاة ، ودفاتر الشهود ، والخطاب على الرسوم ، وإخراج نسخ الأحكام والأحباس وعقود النكاح .

ومن إحاطة العلم بما يتعلق بالأحوال التي تسند إلى المؤتمن عليها بحيث لا يستطيع أحد من المغالطين أن يموه عليه شيئا ، أو أن يلبس عليه حقيقة بحيث ينتفي عنه الغلط ، والخطأ في تمييز الأمور بأقصى ما يمكن ، ويختلف العلم المطلوب باختلاف الأعمال فيقدم في كل ولاية من هو أعلم بما تقتضيه ولايته من الأعمال وما تتوقف عليه من المواهب والدراية ، فليس ما يشترط في القاضي يشترط في أمير الجيش مثلا ، وبمقدار التفاوت في الخصال التي تقتضيها إحدى الولايات يكون ترجيح من تسند إليه الولاية على غيره حرصا على حفظ مصالح الأمة ، فيقدم في كل ولاية من هو أقوى كفاءة لإتقان أعمالها وأشد اضطلاعا بممارستها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث