الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قاعدة في بيان الشبهات المأمور باجتنابها

قال عليه السلام { : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ، فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه } وهذا حث منه عليه السلام على ترك المشتبهات .

اعلم أن التحليل والتحريم والإباحة والندب والإيجاب والكراهة ليس لها متعلق إلا أفعال العباد المقدور عليها أو على التسبب لها ، ولا يطلب الشرع من الأفعال والتروك إلا ما يقدر المكلف عليه كما لا يجده إلا في مقدور عليه ، فليس وصف الأفعال بالتحليل والتحريم والكراهة والندب والإيجاب وصفا حقيقيا قائما بالأفعال إذ لا يقوم عرض بعرض ، ولا يقع التكليف إلا بالأعراض ، وإنما هو عبارة عن تعلق الشرع بالأفعال ، وكذلك الوصف بالسببية والشرطية والمانعية والرق والحرية والملك والاختصاص ، فالمملوك ما ثبت له أحكام الملك ، والحر من ثبتت له أحكام الحرية ، والرقيق من ثبتت له أحكام الرق ، والوقف ما ثبتت له أحكام الوقف ، بخلاف المسلم والكافر والبر والفاجر فإن الإسلام والكفر [ ص: 107 ] والبر والفجور أوصاف حقيقية قائمة بالمحل ، وإطلاق أسمائها على النائم والمجنون والغافل عنها إنما هو من مجاز تسمية الشيء بما كان عليه ، والوصف بها في حال الغفلة عنها كالوصف بالرق والحرية ، وإحرام الأحكام عليها من باب إعطاء المعدوم حكم الموجود على ما سنذكره عقيب هذه القاعدة إن شاء الله

ثم الأفعال التي تتعلق بها الأحكام ضربان - أحدهما ما هو حسن في ذاته وثمراته كمعرفة الإله وصفاته والإيمان بذلك ، فإنه أحسن ما كلفه الإنسان ، وهو أفضل من ثمراته التي هي خلود الجنان والزحزحة عن النيران .

الضرب الثاني : ما هو قبيح في ذاته وثمراته كالجهل بما يجب من العرفان والإيمان ، وثمراته خلود النيران وحرمان الجنان ، وجزاؤه مثله في القبح قال تعالى : { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } .

ومن الأفعال ما هو حقيقته وذاته ولكنه ينهى عنه مرة لقبح ثمراته ويؤمر به تارة لحسن ثمراته ويباح تارة لمصالح تتقاربه في الإقدام عليه والإحجام عنه وله أمثلة - أحدها القتل وهو ثلاثة أقسام باعتبار ثمراته لا باعتبار ذاته لأن ذاته فساد وإتلاف .

القسم الأول : قتل من يجب قتله من الكافرين والمسلمين وهو حسن لحسن ثمراته ، أما قتل الكافر فلما فيه من محو الكفر الذي هو من أفسد المفاسد وإبداله بالإيمان الذي هو أصلح المصالح ، وأما قتل الجاني ، فلما فيه من حفظ الأرواح بزجر الجناة عن الجنايات .

القسم الثاني : تحريم المسلمين وهو مماثل في ذاته لقتل الكافرين والمسلمين المحاربين ، ولكنه حرم لقبح ثمراته .

القسم الثالث : قتل من يجوز قتله بالقصاص من الجناة ، فإنه حسن لثمراته . [ ص: 108 ]

المثال الثاني : الأكل متحد في ذاته وحقيقته ، وإنما قبح لأسبابه أو لثمراته ، فأكل الميتة والدم ولحم الخنزير مساو في حقيقته وذاته لأكل البر والشعير ولكنه حرم لقبح أسبابه وثمراته .

المثال الثالث : الوطء متحد في حقيقته وذاته لكنه يحرم تارة لقبح ثمراته ويحل تارة لحسن ثمراته ، وقد يجمع الفعل الواحد مفاسد كثيرة فيترتب عليه أحكامها وزواجرها ، وكفاراتها . مثاله ، إذا زنا بأمه في جوف الكعبة وهما صائمان في رمضان ، فقد أتى بكبائر يتعلق به أحكامها لو تفرقت . فإنه بالنظر إلى انتهاك حرمة الكعبة مرتكب لكبيرة موجبة للتحريم وللتفسيق والتعزير ، وبالنظر إلى إيقاع الزنا بأمه مرتكب لكبيرة عظيمة وهي أن عقوق الأم وعقوق الوالدين من الكبائر الموجبة للتعزير ، وبالنظر إلى كونه مفسدا للعمرة مرتكبا لكبيرة مفسقة موجبة لكفارة مرتبة ، وبالنظر إلى كونه زانيا مرتكبا لكبيرة مفسقة موجبة للرجم إن كان محصنا ، والجلد والتغريب إن كان بكرا .

وكذلك قد يجمع الفعل الواحد مصالح شتى من غير أن يخبر الإمام بظهور الزنا والربا واستلاب الأموال وقتل الرجال وتعطيل الصلوات والزكاة وانتهاك الحرمات واتباع الشهوات فيأمر بتغيير ذلك كله بكلمة واحدة يثاب على تسببه إلى تغير كل واحدة من هذه المفاسد بكلمة كما يثاب عليها إذا تسبب إلى إزالة كل واحدة منها على حدتها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث