الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 394 ] ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن حديثان أحدهما مرسل عند أكثر الرواة عن مالك .

وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة قرشي مخزومي ، ذكرنا نسبه عند ذكر الحارث بن هشام في كتابنا في الصحابة فأغنى عن ذكره ههنا .

وأبو بكر هذا أحد فقهاء التابعين بالمدينة العشرة الذين كان عليهم مدار الفتوى في زمانهم ، وقد ذكرناهم ، ولد في خلافة عمر بن الخطاب ، وأمه فاختة بنت عقبة بن سهيل بن عمرو قرشية عامرية ، واسمه كنيته ، وقد قيل : إن اسمه المغيرة ، ولا يصح ، والصحيح أن اسمه كنيته ، واستصغر يوم الجمل ، فرد من الطريق هو وعروة بن الزبير ، وكان يقال له : راهب قريش لكثرة صلاته وعبادته ، وقال مالك - رحمه الله - : ما بلغني أن أحدا من التابعين اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن ، وذلك لشدة الاعتكاف ( فيما أرى ) والله أعلم .

وكان عبد الملك بن مروان مكرما لأبي بكر هذا مجلا له ، وأوصى الوليد ، وسليمان بإكرامه ، وقال عبد الملك : إني لأهم بالشيء أفعله بأهل المدينة لسوء أثرهم عندنا ، فأذكر أبا بكر فأستحي منه ، وأدع ذلك الأمر [ ص: 395 ] وكان موته فجأة ، ويقولون : إنه صلى العصر ثم دخل مغتسله فسقط ، وكان قد كف بصره ، فجعل يقول : والله ما أحدثت في صدر نهاري شيئا ، فما غربت الشمس حتى مات ، وذلك سنة أربع وتسعين ، بالمدينة .

وفي هذه السنة توفي جماعة من الفقهاء منهم علي بن حسين ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير ، ذكر هذه الجملة من خبره الواقدي ، والطبري ، ومصعب الزبيري .

وذكر الحسن الحلواني ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني يحيى بن سعيد أن عروة بن الزبير كان يستودع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأنه استودعه عشرين ألف دينار ، فسرقت ، فاتهم بها أبو بكر بن عبد الرحمن امرأة من العرب كانت عندهم فحذرها ، واشتد عليها ، وخوفها فاعترفت بأنها أخذتها ، وأنها عندها ، وأنها تؤديها ، فأرسل أبو بكر بن عبد الرحمن إلى مشايخ من قريش ، فأشهدهم على اعترافها ، وفيه القاسم بن محمد ، وهو يومئذ من أحدثهم سنا فخلى سبيلها ، فلما خرجت من داره .

وأمنت قالت : ما أخذت من ذلك قليلا ، ولا كثيرا ، فخاصمها إلى أبان بن عثمان ، وهو أمير المدينة ، فسأل الشهود عن شهادتهم ، فشهدوا أنها اعترفت بعشرين [ ص: 396 ] ألف دينار ، وأنها مؤديتها .

فسألهم رجلا رجلا ، حتى بلغ القاسم بن محمد ، فقال : ماذا تشهد به يا قاسم ؟ فقال : أشهد أن أبا بكر دعانا لنشهد على هذه المرأة ، وهي في الحديد ظاهرا عليها الضرب ، فاعترفت بأنها أخذت العشرين ألفا ، فأقبل أبان على المشايخ ، فقال : أكان أمرها على ما ذكر القاسم ؟ قالوا : نعم ، قال : فما منعكم أن تقولوا كما قال ، فلولا مكانه لقضيت عليها بعشرين ألف دينار ، يا قاسم جئت ، والله بالشهادة على وجهها ، كما قال الله عز وجل .

قال : فارتفع أمر القاسم من يومئذ على الناس ، وفطنوا لفضله ، وكان المال لولد مصعب بن الزبير فباع أبو بكر ماله بعشرين ألفا حتى أداها إلى عروة فقال له عروة : والله ما عليك منها شيء ، إنما أنت مستودع ، فأبى أبو بكر إلا أن يغرمها .

وحدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا وهيب بن خالد ، عن داود بن أبي هند ، عن عامر الشعبي عن عمر بن عبد الرحمن أن أخاه أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كان يصوم الدهر ، ولا يفطر .

قال : وحدثنا أحمد بن حنبل ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : رددت أنا ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام من الطريق ( يوم الجمل ) استصغرنا . وإياه عنى عبيد الله بن عبد الله بقوله :


شهيدي أبو بكر فنعم شهيد

.

[ ص: 397 ] في أبيات أذكرها في باب عبيد الله إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث