الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الأذكار والدعوات

جزء التالي صفحة
السابق

4832 (37) كتاب الأذكار والدعوات

(1) باب

الترغيب في ذكر الله تعالى

[ 2613 ] عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه حين يذكرني ، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة .

وفي رواية : إن الله يقول : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا دعاني .

رواه أحمد (2 \ 251) ، والبخاري (7405) ، ومسلم (2675) (2 و 19) ، والترمذي (3603) ، وابن ماجه (3822) .

[ ص: 5 ]

التالي السابق


[ ص: 5 ] (37)

كتاب الأذكار والدعوات

[ (1) ومن باب : الترغيب في ذكر الله تعالى ]

(قوله تعالى : " أنا عند ظن عبدي بي ") قيل : معناه : ظن الإجابة عند الدعاء ، وظن القبول عند التوبة ، وظن المغفرة عند الاستغفار ، وظن قبول الأعمال عند فعلها على شروطها ; تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله . قلت : ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم : " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة " . وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر ، وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك ، موقنا أن الله تعالى يقبل عمله ، ويغفر ذنبه ، [ ص: 6 ] فإن الله تعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة ، والأعمال الصالحة ، فأما لو عمل هذه الأعمال ، وهو يعتقد ، أو يظن أن الله تعالى لا يقبلها ، وأنها لا تنفعه ، فذلك هو القنوط من رحمة الله ، واليأس من روح الله ، وهو من أعظم الكبائر ، ومن مات على ذلك وصل إلى ما ظن منه ، كما قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث : " أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن عبدي بي ما شاء " . فأما ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية ، فذلك محض الجهل والعزة ، وهو يجر إلى مذهب المرجئة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله " . والظن : تغليب أحد المجوزين بسبب يقتضي التغليب ، فلو خلا عن السبب المغلب لم يكن ظنا بل غرة وتمنيا . وقد تقدم في الجنائز الكلام على قوله : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " .

و (قوله : " وأنا معه حين يذكرني ") أصل الذكر : التنبه بالقلب للمذكور ، والتيقظ له ، ومنه قوله : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم [ البقرة : 40 ] أي : تذكروها . وقوله صلى الله عليه وسلم : " من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلها إذا ذكرها " أي : إذا تذكرها بقلبه . وهو في القرآن كثير . وسمي القول باللسان ذكرا ; لأنه دلالة على الذكر القلبي ، غير أنه قد كثر اسم الذكر على القول اللساني حتى صار هو السابق للفهم ، وأصل مع الحضور والمشاهدة ، كما قال تعالى : إنني معكما أسمع وأرى [ طه : 46 ] وكما قال : وهو معكم أين ما كنتم [ الحديد : 4] أي : مطلع عليكم [ ص: 7 ] ومحيط بكم ، وقد ينجر مع ذلك الحفظ والنصر . كما قيل في قوله تعالى : إنني معكما أسمع وأرى أي : أحفظكما ممن يريد كيدكما .

وإذا تقرر هذا فيمكن أن يكون معنى : " وأنا معه إذا ذكرني " أن من ذكر الله في نفسه مفرغة مما سواه ، رفع الله عن قلبه الغفلات والموانع ، وصار كأنه يرى الله ويشاهده - وهي الحالة العليا التي هي : أن تذكر الله كأنك تراه ، فإن لم تصل إلى هذه الحالة ، فلا أقل من أن يذكره ، وهو عالم بأن الله يسمعه ويراه . ومن كان هكذا كان الله له أنيسا إذا ناجاه ، ومجيبا إذا دعاه ، وحافظا له من كل ما يتوقعه ويخشاه ، ورفيقا به يوم يتوفاه ، ومحلا له من الفردوس أعلاه .

و (قوله : " فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ") النفس : اسم مشترك يطلق على نفس الحيوان ، وهي المتوفاة بالموت والنوم ، ويطلق ويراد به : الدم ، والله تعالى منزه عن ذينك المعنيين ، ويطلق ويراد به ذات الشيء وحقيقته ، كما يقال : رأيت زيدا نفسه عينه ، أي : ذاته . وقد يطلق ويراد به الغيب ، كما قد قيل في قوله تعالى : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك [ المائدة :116 ] أي : ما في غيبك .

والأليق بهذا الحديث : أن يكون معناه : أن من ذكر الله تعالى خاليا منفردا بحيث لا يطلع أحد من الخليقة على ذكره ، جازاه الله على ذلك بأن يذكره بما أعد له من كرامته التي أخفاها عن خليقته . حتى لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون . وقد قلنا : إن التسليم هو الطريق المستقيم .

و (قوله : " وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ") يعني : أن من يذكره في ملأ من الناس ذكره الله في ملأ من الملائكة ، أي : أثنى عليه ، ونوه باسمه في الملائكة ، وأمر جبريل أن ينادي بذكره في ملائكة السماوات كما تقدم ، وهو ظاهر [ ص: 8 ] في تفضيل الملائكة على بني آدم ، وهو أحد القولين للعلماء . وللمسألة غور ليس هذا موضع ذكره .

و (قوله : " وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا . . . إلى قوله : أتيته هرولة ") هذه كلها أمثال ضربت لمن عمل عملا من أعمال الطاعات ، وقصد به التقرب إلى الله تعالى ، يدل على أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل وإن قل ، بل يقبله ويجعل له ثوابه مضاعفا . ولا يفهم من هذا الحديث : الخطا : نقل الأقدام ; إلا من ساوى الحمر في الأفهام . فإن قيل : مقتضى ظاهر هذا الخطاب : أن من عمل حسنة جوزي بمثليها ، فإن الذراع : شبران ، والباع : ذراعان . وقد تقرر في الكتاب والسنة : أن أقل ما يجازى على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا تحصى ، فكيف وجه الجمع ؟ قلنا : هذا الحديث ما سيق لبيان مقدار الأجور ، وعدد تضاعيفها ، وإنما سيق لتحقيق أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل - قليلا كان أو كثيرا - وأن الله تعالى يسرع إلى قبوله ، وإلى مضاعفة الثواب عليه ، إسراع من جيء إليه بشيء فبادر لأخذه ، وتبشبش له بشبشة من سر به ، ووقع منه الموقع ، ألا ترى قوله : " من أتاني يمشي أتيته هرولة " ، وفي لفظ آخر : " أسرعت إليه " . ولا تتقدر الهرولة والإسراع بضعفي المشي ، وأما عدد الأضعاف ، [ ص: 9 ] فيؤخذ من موضع آخر ، لا من هذا الحديث . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث