الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 454 - 456 ] ( فصل في الشهادة على الإرث )

( ومن أقام بينة على دار أنها كانت لأبيه أعارها أو أودعها الذي هي في يده فإنه يأخذها ولا يكلف البينة [ ص: 457 ] أنه مات وتركها ميراثا له ) وأصله أنه متى ثبت ملك المورث لا يقضي به للوارث حتى يشهد الشهود أنه مات وتركها ميراثا له عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، خلافا لأبي يوسف رحمه الله . هو يقول : إن ملك الوارث ملك المورث فصارت الشهادة بالملك للمورث شهادة به للوارث ، وهما يقولان : إن ملك الوارث متجدد في حق العين حتى يجب عليه الاستبراء في الجارية الموروثة ، ويحل للوارث الغني ما كان صدقة على المورث الفقير فلا بد من النقل ، إلا أنه يكتفي بالشهادة على قيام ملك المورث وقت الموت لثبوت الانتقال ضرورة ، وكذا على قيام يده على ما نذكره ، وقد وجدت الشهادة على اليد في مسألة الكتاب لأن يد المستعير والمودع والمستأجر قائمة مقام يده فأغنى ذلك عن [ ص: 458 ] الجر والنقل ( وإن شهدوا أنها كانت في يد فلان مات وهي في يده جازت الشهادة ) لأن الأيدي عند الموت تنقلب يد ملك بواسطة الضمان والأمانة تصير مضمونة بالتجهيل فصار بمنزلة الشهادة على قيام ملكه وقت الموت [ ص: 459 ] ( وإن قالوا لرجل حي نشهد أنها كانت في يد المدعي منذ شهر لم تقبل ) وعن أبي يوسف رحمه الله أنها تقبل لأن اليد مقصودة كالملك ; ولو شهدوا أنها كانت ملكه تقبل فكذا هذا صار كما إذا شهدوا بالأخذ من المدعي . وجه الظاهر وهو قولهما أن الشهادة قامت بمجهول لأن اليد منقضية وهي متنوعة إلى ملك وأمانة وضمان فتعذر القضاء بإعادة المجهول ، بخلاف الملك لأنه غير مختلف ، وبخلاف الآخذ لأنه معلوم وحكمه معلوم وهو وجوب الرد ، ولأن يد ذي اليد معاين ويد المدعي مشهود به ، وليس الخبر كالمعاينة [ ص: 460 ] ( وإن أقر بذلك المدعى عليه دفعت إلى المدعي ) لأن الجهالة في المقر به لا تمنع صحة الإقرار ( وإن شهد شاهدان [ ص: 461 ] أنه أقر أنها كانت في يد المدعي دفعت إليه ) لأن المشهود به هاهنا الإقرار وهو معلوم .

التالي السابق


( فصل في الشهادة على الإرث )

وجه المناسبة بين تعقيب الشهادة بملك متجدد لحي عن ميت على الشهادة بملك يتجدد لحي عن حي ظاهر ( قوله ومن أقام بينة إلخ ) اختلف علماؤنا في أنه هل يتوقف القضاء للوارث بالشهادة على ملك الميت على الجر [ ص: 457 ] والنقل وهو أن يقول الشهود في شهادتهم مات وتركها ميراثا لهذا المدعي . فعند أبي يوسف لا .

وعند أبي حنيفة ومحمد نعم . وجه قول أبي يوسف ما ذكره المصنف بقوله ( هو يقول ملك المورث ملك الوارث ) لأنه يصير ملكه خلافة ، ولهذا يخاصم ويرد بالعيب ويرد عليه ويصير مغرورا إذا كان المورث مغرورا ، فالشهادة بالملك للمورث شهادة به له فلا حاجة إلى أمر زائد يشترط القضاء به له ، وقد ظهر بهذا محل الخلاف وهو شهادتهم أنه كان ملك الميت بلا زيادة ، ولو شهدا أنها لأبيه لا تقبل ذكرها محمد بلا ذكر خلاف ; فقيل تقبل عند أبي يوسف ، وقيل لا تقبل بالاتفاق ( وهما يقولان ملك الوارث ملك متجدد في العين حتى وجب على الوارث استبراء الجارية الموروثة ، ويحل للوارث الغني ما كان تصدق به على المورث الفقير ) ولو زكاة أو كفارة فلا بد من ذكرهما الجر والانتقال غير أنه [ ص: 458 ] لا يشترط ذكر ذلك نصا بل إما نصا كما ذكرنا من قولهم مات وتركها ميراثا له أو شهدا بالملك للمورث عند الموت أو بما يقوم مقامه وهو اليد عند الموت وتجدد ملك الوارث غير لازم شرعي لما شهدوا به بل لازم لقيامه حال الموت .

إذا عرف هذا فالمسألة التي ذكرها المصنف اتفاقية ، وهي قوله : ومن أقام بينة على دار أنها كانت لأبيه أعارها أو أودعها الذي هي في يده فإنه يأخذها ولا يكلف للبينة أنه مات وتركها ميراثا له .

أما على قول أبي يوسف فظاهر ، وأما على قولهما فلأن الشهادة على الملك وقت الموت أو اليد وقت الموت تقوم مقام ذلك ، وقد وجد الثاني في مسألة الكتاب لأنه أثبت اليد عند الموت حيث شهد أنها معارة منه أو مودعة عند الموت لأن يد المستعير والمودع والمستأجر كيد المعير وأخويه ، وقد طولبا بالفرق بين هذا وما إذا شهدا لمدعي ملك عين في يد رجل بأنها كانت ملك المدعي أو أنه كان ملكها حيث يقضي بها وإن لم يشهدا أنها ملكه إلى الآن ، وكذا لو شهدا لمدعي عين في يد إنسان أنه اشتراها من فلان الغائب ولم يقم بينة على ملك البائع وذو اليد ينكر ملك البائع فإنه يحتاج إلى بينة على ملكه ، فإذا شهدا بملكه قضي للمشتري به وإن لم ينصا على أنها ملكه يوم البيع ، وهذه أشبه بمسألتنا ، فإن كلا من الشراء والإرث يوجب تجدد الملك .

والجواب أنهما إذا لم ينصا على ثبوت ملكه حالة الموت فإنما يثبت بالاستصحاب والثابت به بحجة لإبقاء الثابت لا لإثبات ما لم يكن وهو المحتاج إليه في الوارث ، بخلاف مدعي العين فإن الثابت بالاستصحاب بقاء ملكه لا تجدده ، وبخلاف مسألة الشراء فإن الملك مضاف إليه لا إلى ملك البائع وإن كان لا بد لثبوت ملك المشتري من بقائه لأن الشراء آخرهما وجودا وهو سبب موضوع للملك حتى لا يتحقق لو لم يوجبه فيكون مضافا إلى الشراء وهو ثابت بالبينة .

أما هنا فثبوت ملك الوارث مضاف إلى كون المال ملكا للميت وقت الموت لا إلى الموت لأنه ليس سببا موضوعا للملك بل عنده يثبت إن كان له مال فارغ ، والله سبحانه أعلم . هذا إذا شهدا أنها كانت معارة أو مودعة ( فلو شهدا أنها كانت في يد أبيه مات وهي في يده والأب ) هو [ ص: 459 ] المراد بلفظ فلان في قول المصنف إنهما كانت في يد فلان : يعني أبا الوارث المدعي جازت الشهادة فيقضي بالدار للوارث لإثباتهما اليد للميت إلى حين الموت ، وبذلك يثبت الملك له لأن اليد وإن تنوعت إلى يد عصب وأمانة وملك ، فإنها عند الموت من غير بيان تصير يد ملك ، لما عرف أن كلا من الغاصب والمودع إذا مات مجهلا يصير المغصوب الوديعة ملكه لصيرورته مضمونا عليه شرعا ، ولا يجتمع البدلان في ملك مالك الوديعة والمغصوب منه ، ولا يلزم على هذا ما لو شهدوا أن أباه دخل هذه الدار ومات فيها أو أنه كان فيها حتى مات ، أو أنه مات فيها أو أنه مات وهو قاعد على هذا البساط أو نائم على هذا الفراش ، أو أنه مات وهذا الثوب موضوع على رأسه لا تقبل حتى لا يستحق الوارث شيئا من ذلك مع أنها تفيد أن هذه الأشياء كانت في يد المورث قبل الموت لأنها خرجت بقوله بواسطة الضمان ، وهذه الأمور ليست موجبة للضمان .

قال التمرتاشي : لا تثبت اليد على المحل بهذه الأشياء حتى لا يصير غاصبا ولا يصير ذو اليد مقرا بذلك ، بخلاف الشهادة بالركوب والحمل واللبس فإن اليد تثبت بها ويصير [ ص: 460 ] بها غاصبا . هذا إذا شهد كذلك لميت ، فلو شهدا لحي ادعى عينا في يد رجل كذلك : أي شهدا أنها كانت في يد هذا المدعي منذ شهر أو أقل أو أكثر أو لم يذكرا وقتا ، فعن أبي يوسف هي كالتي للميت فيقضي للمدعي بالعين المذكورة . وقالا : لا يقضي بها للمدعي بهذه الشهادة . لأبي يوسف رحمه الله أن اليد مقصودة كالملك ، ولو شهدا في هذه الصورة أنها كانت ملكا للمدعي تقبل على ما قدمنا في الفروع استصحابا لملكه إلى وقت الدعوى كذا هنا استصحابا ليده إلى وقت الدعوى وصار كما لو شهدوا أنه أخذها منه يقضي بالرد بهذه الشهادة .

وجه الظاهر من قول أبي يوسف وهو وجه قولهما إن الشهادة مع كونها بيده منقضية شهادة بمجهول لأن اليد متنوعة إلى ملك وأمانة وضمان ، ولم يلزم أحدها بعينه لترتفع الجهالة فتعذر القضاء بهذه الشهادة لتعذر القضاء بمجهول ، بخلاف مثلها في الميت لأنه لزم أحدها بعينه بالموت وهو يد الملك فأمكن القضاء ، وبخلاف الأخذ فإن له موجبا معلوما وهو الرد من حيث هو أخذ إلى أن يقترن به ثبوت أنه أخذ حقه .

قال عليه الصلاة والسلام { على اليد ما أخذت حتى ترده فيقضي به } وأيضا اليد معاين للمدعى عليه ويد المدعي مشهود به مخبر عنه ، وليس الخبر كالمعاينة فيترجح قول المدعى عليه فلا يقضي به للمدعي . واستشكل ببينة الخارج مع ذي اليد ، وكذا ببينة مدعي الملك المطلق مع ذي اليد حيث تترجح بينة الخارج ومدعي الملك .

أجيب بأن ذلك مسلم فيما لا يتنوع كبينة الخارج ومدعي الملك المطلق بخلاف ما يتنوع . وهذا الجواب حاصله أن المعاينة كانت تقدم لو لم تلزم الجهالة في المقضي وهو في التحقيق يصير إلى الوجه الأول ويبطل استقلال الثاني بتأمل يسير ( قوله وإن أقر إلخ ) يعني لو قال المدعى عليه بالدار التي في يده هذه الدار كانت في يد المدعي دفعت للمدعي ، وإن كانت اليد متنوعة لأن حاصل ذلك جهالة في المقر به وهي لا تمنع صحة الإقرار بل يصح ويلزم بالبيان ، فإنه لو قال لفلان علي شيء صح ويجبر على البيان ، وكذا لو شهد شاهدان أن المدعى عليه أقر بأنها كانت في يد المدعي تقبل لأن المشهود به الإقرار وهو معلوم ، وإنما الجهالة في المقر به وهي لا تمنع صحة القضاء ، كما لو ادعى عشرة دراهم فشهدا على إقرار المدعى عليه أن له عليه شيئا جازت ويؤمر بالبيان .



[ تتمة ] شرط الشهادة بالإرث أن يشهدوا أنه كان لمورثه ، فلو قالوا إنه لمورثه تقدم أن محمدا رحمه الله قال : لا يصح ولم يحك خلافا ، لأن المورث إن كان حيا فالمدعي ليس خصما ، وإن كان ميتا فإثبات الملك للميت حالا محال وتقدم قول بعضهم إنها تصح على قول أبي يوسف وهو غير بعيد لأنا نقطع بأن الشاهد لم يرد هذا المعنى بل ملكه حال حياته فكان كالأول ، ولا بد أن يدرك الشهود الميت لأن الشهادة على الملك لا تجوز بالتسامع ، ولا بد أن يبينوا جهة الاستحقاق حتى لو قالوا أخوه مات وتركها ميراثا له لا تقبل ما لم يقولوا لأبيه أو لأمه أو لهما لأن الإرث يختلف باختلاف الجهات ، وكذا لو قالوا كان لجده ولم يقولوا مات وتركها ميراثا لأبيه ثم مات أبوه وتركها ميراثا له ولم يشترطه أبي يوسف على ما عرف في الخلافية غير أنه يسأل البينة عن عدد الورثة للقضاء .

وإذا شهدوا أنه كان لمورثه تركه ميراثا له ولم يقولوا لا نعلم له وارثا سواه ، فإن كان ممن يرث في حال دون حال لا يقضي لاحتمال عدم [ ص: 461 ] استحقاقه أو يرث على كل حال يحتاط للقاضي وينتظر مدة هل له وارث آخر أم لا ثم يقضي بكله ، وإن كان نصيبه يختلف في الأحوال يقضي بالأقل ; فيقضي في الزوج بالربع والزوجة بالثمن إلا أن يقولوا لا نعلم له وارثا غيره .

وقال محمد وهو رواية عن أبي حنيفة يقضي بالأكثر ، والظاهر الأول ، وليس الأصل أن لا يكون له وارث ويأخذ القاضي كفيلا عندهما لا عنده على ما تقدم . ولو قالوا : لا نعلم له وارثا بهذا الموضع كفى عند أبي حنيفة خلافا لهما .



[ فروع ] إذا شهد اثنان أن هذا وارث فلان لا نعلم له وارثا غيره ولم يذكرا سببا يرث به فالشهادة باطلة حتى يبينا سبب الإرث ، وكذا إذا شهدوا أنه أخوه أو عمه أو ابن عمه أو جده أو جدته لا تقبل حتى يبينا طريق الأخوة والعمومة : أي يبينا الأسباب المورثة للميت أنه لأب أو شقيق وينسبا الميت والوارث حتى يلتقيا إلى أب واحد ، ويذكر أيضا أنه وارثه ، وهل يشترط قوله إرثه في الأب والأم والولد ؟ قيل يشترط والفتوى على أنه لا يشترط قوله وارثه ، وكذا كل من لا يحجب بحال لا يشترط قوله وارثه . وفي الشهادة بأنه ابن ابن الميت أو بنت ابنه لا بد من ذلك .

وفي الشهادة أنه مولاه لا بد من بيان أنه أعتقه ، ولا يشترط ذكر اسم أب الميت ، حتى لو شهدا أنه جد الميت أبو أبيه ووارثه ولم يسموا أبا الميت قبلت .

وفي الأقضية شهدا أنه جد الميت وقضى له به ثم جاء آخر وادعى أنه أبو الميت وبرهن فالثاني أحق بالميراث ، ولو شهدا أنه أخو الميت ووارثه فقضى به ثم شهد هذان على الآخر أنه ابن الميت لا يبطل القضاء الأول بل يضمنان للابن ما أخذ الأول من الإرث ، ولو شهد آخران أن الثاني ابن الميت تقبل . وفي الزيادات : شهدا أن قاضي بلد كذا فلان بن فلان قضى بأن هذا وارث فلأن الميت لا وارث له غيره فالقاضي يحتاط ويسأل المدعي عن نسبه ، فإن لم يبين أنه أمضى القضاء الأول لعدم المنازع في الحال ، فإن جاء آخر وبين أنه وارثه ، فإن كان أقرب من الأول قضى للثاني ، وإن كان أبعد منه لا يلتفت إليه ، وإن زاحمه بأن كان مثلا الأول ابنا والثاني أبا قضى بالميراث بينهما على قدر حقهما لإمكان العمل بهما .




الخدمات العلمية