الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضل إحصاء أسماء الله تعالى

جزء التالي صفحة
السابق

4835 (3) باب

فضل إحصاء أسماء الله تعالى

[ 2616 ] عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله تسعة وتسعين اسما ، من حفظها دخل الجنة ، والله وتر يحب الوتر " .

وفي رواية : " وإن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ; من أحصاها دخل الجنة " .

رواه أحمد (2 \ 267) ، ومسلم (2677) (5 و 6) ، والترمذي (3506) ، وابن ماجه (3860) .

[ ص: 14 ]

التالي السابق


[ ص: 14 ] (3) ومن باب : فضل إحصاء أسماء الله تعالى

(قوله : " إن لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - ") الاسم في العرف العام : هو الكلمة الدالة على معنى مفرد ، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف ، إذ كل واحد منها يصدق عليه ذلك الحد ، فلا فعل ، ولا حرف في العرف العام ، وإنما ذلك اصطلاح النحويين والمنطقيين ، وليس ذلك من غرضنا . وإذا فهمت هذا فهمت غلط من قال : إن الاسم هو المسمى حقيقة ، كما قالت طائفة من جهال الحشوية ; فإنهم صرحوا بذلك واعتقدوه حتى ألزموا على ذلك أن من قال : سم ، مات ، ومن قال : نار ، احترق . وهؤلاء أخس من أن يشتغل بمخاطبتهم ، وأما من قال من النحويين ، ومن المتكلمين : الاسم هو المسمى ، فحاشاهم أن يريدوا هذه الحماقة ، وإنما أرادوا أنه هو من حيث إنه لا يدل إلا عليه ، ولا يفيد إلا هو ، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليها من غير مزيد أمر آخر ، وإن كان من الأسماء الدالة على معنى زائد : دل [ ص: 15 ] على تلك الذات ، منسوبة إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره . وبيان ذلك : أنك إذا قلت : زيد - مثلا - فهو يدل على ذات مشخصة في الوجود من غير زيادة ولا نقصان ، فلو قلت - مثلا - : العالم ; دل هذا على تلك الذات منسوبة إلى العلم ، وكذلك لو قلت : الغني ; دل ذلك على تلك الذات مع إضافة مال إليها ، وكذلك لو قلت : الفقير ; دل على تلك الذات مع سلب المال عنها ، وهذا جار في كل ما يقال عليه اسم بالعرف العام . ومن هنا صح عقلا أن تكثر الأسماء المختلفة على ذات واحدة ، ولا توجب تعددا فيها ، ولا تكثيرا ، وقد غمض فهم هذا - مع وضوحه - على بعض أئمة المتكلمين ، وفر منه هربا من لزوم تعدد في ذات الإله ، حتى تأول هذا الحديث ; بأن قال : إن الاسم فيه يراد به التسمية ، ورأى أن هذا يخلصه من التكثر ، وهذا فرار من غير مفر إلى غير مفر ، وذلك أن التسمية إنما هي وضع الاسم ، أو ذكر الاسم ، فإنه يقال لمن سمى ابنه عند ولادته بزيد : سمى يسمي تسمية ، وكذلك نقول لمن ذكر اسم زيد لغيره ، وعلى هذا فالتسمية هي نسبة الاسم إلى مسماه ، فإذا قلنا : إن لله تعالى تسعة وتسعين تسمية ، اقتضى ذلك : أن يكون له تسعة وتسعون اسما ينسبها كلها إليه ، فبقي الإلزام بعد ذلك التكلف والتعسف ، والحق ما ذكرناه ، والمفهم الإله . وقد يقال : الاسم هو المسمى ، ويعني به : أن هذه الكلمة التي هي الاسم ، قد يطلق ويراد به المسمى ، كما قيل ذلك في قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى [ الأعلى : 1 ] أي : سبح ربك ، فأريد بالاسم المسمى ، وهذا بحث لفظي لا ينبغي أن ينكر ، ولا جرم قال به في هذه الآية وفيما يشبهها جماعة من علماء اللسان وغيرهم ، وإذا تقرر هذا فافهم أن أسماء الحق سبحانه وإن تعددت فلا تعدد في ذاته تعالى ، ولا تركيب ، لا عقليا كترتيب المحدودات ، ولا محسوسا كترتيب الجسمانيات ، وإنما تعددت أسماؤه تعالى بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات ، ثم هذه الأسماء من جهة دلالتها على أربعة أضرب ; فمنها : ما يدل على الذات مجردة ، كاسم الله تعالى ، على قول من يقول : [ ص: 16 ] إنه علم غير مشتق ، وهو الخليل وغيره ; لأنه يدل على الوجود الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال ، دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد ، ولأنه أشهر أسمائه حتى تعرف كل أسمائه به ، فيقال : الرحمن : اسم الله ، ولا يقال : الله اسم الرحمن ، ولأن العرب عاملته معاملة الأسماء الأعلام في النداء ، فجمعوا بينه وبين ياء النداء ، ولو كان مشتقا لكانت لامه زائدة ، وحينئذ لا يجمع بينه وبينها في النداء ، كما لا تقول العرب : يا لحارث ولا يا لعباس . ولاستيفاء المباحث علم الاشتقاق .

ومنها : ما يدل على صفات الباري تعالى الثابتة له ، كالعالم والقادر ، والسميع والبصير .

ومنها : ما يدل على إضافة أمر ما إليه ، كالخالق ، والرازق .

ومنها : ما يدل على سلب شيء عنه ، كالقدوس ، والسلام . وهذه الأقسام الأربعة لازمة منحصرة ، دائرة بين النفي والإثبات ، فاختبرها تجدها كذلك .

و (قوله : " مائة إلا واحدا ") تأكيد للجملة الأولى ، ليرفع به وهم متوهم في النطق أو الكتابة ; لأن تسعة مقاربة لسبعة فيهما . ومائة منصوبة بدل من تسعة .

و (قوله : " من أحصاها دخل الجنة ") هذه الجملة خبر ثان للمائة المذكورة في الجملة الأولى ، غير أن هذه الجملة هي الفائدة المقصودة لعينها ، والجملة الأولى مقصودة لها ، لا أن مقصودها حصر الأسماء فيما ذكر ، وهذا كقول القائل : لزيد مائة دينار ، أعدها للصدقة ، لا يفهم من هذا : أنه ليس له مال غير المائة دينار ، وإنما يفهم أن هذه المائة هي التي أعدها للصدقة لا غيرها . وقد دل على أن لله أسماء أخر ما قدمناه من قوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " و قوله : " فأحمده بمحامد لا أقدر عليها ، إلا أن [ ص: 17 ] يلهمنيها الله " . وقد بحث الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسنة ، فجمعوها في كتبهم ، كالخطابي ، والقشيري ، وغيرهما ، فمن أرادها وجدها . وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا ، وزاد فيه ذكر الأسماء وتعديدها إلى تسعة وتسعين ، وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح ، وهو ثقة عند أهل الحديث .

والإحصاء في الكلام على ثلاث مراتب ; أولها : العدد ، ومنه قوله تعالى : وأحصى كل شيء عددا [ الجن : 28 ] والثانية : بمعنى الفهم ، ومنه يقال : رجل ذو حصاة ; أي : ذو لب وفهم ، ومنه سمي العقل : حصاة ، قال كعب بن سعد الغنوي :


وأن لسان المرء ما لم يكن له حصاة على عوراته لدليل

والثالثة : بمعنى الإطاقة على العمل والقوة ، ومنه قوله تعالى : علم أن لن تحصوه [ المزمل : 20 ] أي : لن تطيقوا العمل بذلك ، والمرجو من كرم الله تعالى ، أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية ، أن يدخله الله الجنة ، لكن المرتبة الأولى : هي مرتبة أصحاب اليمين ، والثانية : للسابقين ، والثالثة : للصديقين ، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها ، والمحافظة على حدودها ، والاتصاف بقدر الممكن منها ، كما أشار إليه الطوسي في " المقصد الأسنى " .

و (قوله : " والله وتر يحب الوتر ") قد تقدم أن الوتر : الفرد ، والشفع : الزوج ، وأن معنى وحدانية الله تعالى : أنه واحد في ذاته فلا انقسام له ، وواحد في إلهيته ، فلا نظير له ، وواحد في ملكه وملكه فلا شريك له [ ص: 18 ] و (قوله : " يحب الوتر ") ظاهره : أن الوتر هنا للجنس ، لا معهود جرى ذكره يحمل عليه ، فيكون معناه على هذا : أنه يحب كل وتر شرعه ، وأمر به ، كالمغرب ، فإنها وتر صلاة النهار ، ووتر صلاة الليل ، وكالصلوات الخمس ، فإنها وتر ، وكالوتر في مرار الطهارة ، وغسل الميت ، ونحو هذا مما شرع فيه الوتر ، ومعنى محبته لهذا النوع : أنه أمر به ، وأثاب عليه . ويصلح ذلك للعموم لما خلقه وترا من مخلوقاته ، كالسماوات السبع والأرضين السبع ، والذراري السبع ، وكآدم الذي خلقه من تراب ، وعيسى الذي خلقه من غير أب ، وهكذا كل ما خلقه الله وترا من مخلوقاته ، ومعنى محبته لهذا النوع أنه خصصها بذلك لحكم علمها ، وأمور قدرها . ويحتمل أن يريد بذلك الوتر واحدا بعينه ، فقيل : هو صلاة الوتر ، وقيل : يوم الجمعة ، وقيل : يوم عرفة ، وقيل : آدم ، وقيل غير ذلك . وقيل : يحتمل أن يكون معناه منصرفا إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرد على سبيل الإخلاص والاختصاص .

قلت : وهذه الأقوال كلها متكافئة ، وأشبه ما تقدم : حمله على العموم ، وقد ظهر لي وجه ، وأرجو أن يكون أولى بالمقصود ، وهو أن الوتر يراد به التوحيد ، فيكون معناه : إن الله تعالى في ذاته وكماله وأفعاله واحد ، ويحب التوحيد ، أي : يوحد ويعتقد انفراده دون خلقه ، فيلتئم أول الحديث وآخره ، وظاهره وباطنه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث