الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى

قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى .

استئناف بياني لأن ذكر من يخشى وذكر الأشقى يثير استشراف السامع لمعرفة أثر ذلك فابتدئ بوصف أثر الشقاوة فوصف الأشقى بأنه يصلى النار الكبرى وأخر ذكر ثواب الأتقى تقديما للأهم في الغرض وهو بيان جزاء الأشقى الذي يتجنب الذكرى ، وبقي السامع ينتظر أن يعلم جزاء من يخشى ويتذكر ، فلما وفي حق الموعظة والترهيبة استؤنف الكلام لبيان المثوبة والترغيب . فالمراد بـ من تزكى هنا عين المراد بـ ( من يخشى ) و ( يذكر ) فقد عرف هنا بأنه الذي ذكر اسم ربه ، فلا جرم أن ذكر اسم ربه هو التذكر بالذكرى ، فالتذكر هو غاية الذكرى المأمور بها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : فذكر .

وقد جمعت أنواع الخير في قوله : قد أفلح فإن الفلاح نجاح المرء فيما يطمح إليه فهو يجمع معنيي الفوز والنفع وذلك هو الظفر بالمبتغى من الخير ، وتقدم في قوله تعالى : أولئك هم المفلحون في البقرة .

والإتيان بفعل المضي في قوله : أفلح للتنبيه على المحقق وقوعه من الآخرة ، واقترانه بحرف قد لتحقيقه وتثنيته كما في قوله تعالى : قد أفلح المؤمنون وقوله : قد أفلح من زكاها لأن الكلام موجه إلى الأشقين الذين تجنبوا الذكرى إثارة لهمتهم في الالتحاق بالذين خشوا فأفلحوا .

ومعنى تزكى : عالج أن يكون زكيا ، أي : بذل استطاعته في تطهير نفسه وتزكيتها كما قال تعالى : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها .

[ ص: 288 ] فمادة التفعل للتكلف وبذل الجهد ، وأصل ذلك هو التوحيد والاستعداد للأعمال الصالحة التي جاء بها الإسلام ويجيء بها ، فيشمل زكاة الأموال .

أخرج البزار عن جابر بن عبد الله عن النبيء صلى الله عليه وسلم قال : قد أفلح من تزكى قال : من شهد أن لا إله إلا الله ، وخلع الأنداد ، وشهد أني رسول الله وذكر اسم ربه فصلى قال : هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها ، وهو قول ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة .

وقدم التزكي على ذكر الله والصلاة ; لأنه أصل العمل بذلك كله ، فإنه إذا تطهرت النفس أشرقت فيها أنوار الهداية فعلمت منافعها وأكثرت من الإقبال عليها ، فالتزكية : الارتياض على قبول الخير والمراد تزكى بالإيمان .

وفعل ذكر اسم ربه يجوز أن يكون من الذكر اللساني الذي هو بكسر الذال فيكون كلمة اسم ربه مرادا بها ذكر أسماء الله بالتعظيم ، مثل قول ( لا إله إلا الله ) ، وقول ( الله أكبر ) و ( سبحان الله ) ، ونحو ذلك على ما تقدم في قوله : سبح اسم ربك الأعلى .

ويجوز أن يكون من الذكر بضم الذال وهو حضور الشيء في النفس الذاكرة والمفكرة فتكون كلمة اسم مقحمة لتدل على شأن الله وصفات عظمته ، فإن أسماء الله أوصاف كمال .

وتفريع فصلى على ذكر اسم ربه على كلا الوجهين ; لأن الذكر بمعنييه يبعث الذاكر على تعظيم الله تعالى والتقرب إليه بالصلاة التي هي خضوع وثناء .

وقد رتبت هذه الخصال الثلاث في الآية على ترتيب تولدها . فأصلها : إزالة الخباثة النفسية من عقائد باطلة وحديث النفس بالمضمرات الفاسدة وهي المشار إليه بقوله : تزكى ، ثم استحضار معرفة الله بصفات كماله وحكمته ليخافه ويرجوه وهو المشار بقوله : وذكر اسم ربه ثم الإقبال على طاعته وعبادته وهو المشار إليه بقوله : فصلى والصلاة تشير إلى العبادة وهي في ذاتها طاعة وامتثال يأتي بعده ما يشرع من الأعمال قال تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث