الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شرائط السلم

وبين شرائطه فذلك دليل جواز العقد ثم الشرائط التي يحتاج إلى ذكرها في السلم عند أبي حنيفة سبعة ( إعلام ) الجنس في المسلم فيه ( وإعلام النوع ) ( وإعلام القدر ) و ( إعلام الصفة ) و ( إعلام الأجل ) و ( إعلام المكان ) الذي يوفيه فيه فيما له حمل ومؤنة وإعلام قدر رأس المال فيما يتعلق العقد على قدره والأصل في هذه الشرائط الحديث الذي روينا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإعلام القدر بأن ترك إعلامه يفضي إلى المنازعة التي تمنع البائع عن التسليم والتسلم فدل ذلك عن أن كل جهالة تفضي إلى المنازعة المانعة عن التسليم والتسلم يجب إزالتها بالإعلام وجهالة الجنس تفضي إلى ذلك ; لأنه إذا أسلم في شيء [ ص: 125 ] فرب السلم يطالبه بإعلام الأشياء والمسلم إليه لا يعطى إلا أدنى الأشياء ويحتج كل واحد منهما على صاحبه بمطلق الاسم فلا بد من إعلام الجنس لقطع هذه المنازعة وكذلك إعلام النوع فإنه إذا أسلم إليه في تمر فالمسلم إليه يعطيه الدقل ورب السلم يطالبه بالفارسي ويحتج كل واحد منهما على صاحبه بمطلق الاسم فلا بد من إعلام النوع لقطع هذه المنازعة وكذلك إعلام الصفة ; لأنه إذا أسلم إليه في الحنطة فرب السلم يطالبه بحنطة جيدة والمسلم إليه لا يسلم إلا الرديء ويحتج كل واحد منهما باسم الحنطة فلا بد من بيان الصفة لقطع هذه الخصومة وإعلام القدر منصوص عليه في الحديث وجهالته تفضي إلى المنازعة ولأن المقصود بهذا العقد الاسترباح ولا يعرف ذلك إلا بمعرفة مقدار المالية

والمالية تختلف باختلاف الجنس والنوع والصفة والقدر فلا بد من إعلام ذلك كله ليصير ما هو المقصود لكل واحد منهما معلوما له فأما الأجل فهو من شرائط السلم عندنا وقال الشافعي : الأجل يثبت ترفيها لا شرطا حتى يجوز السلم عندنا حالا في الموجود فأما في المعدوم لا يجوز السلم إلا مؤجلا واحتج في ذلك بالحديث ورخص في السلم فأثبت في السلم رخصة مطلقة واشتراط التأجيل فيه لا يكون زيادة على النص .

والمعنى فيه أنه صار معاوضة مال بمال فيكون الأجل فيه ترفيها لا شرطا كالبيع والإجارة وهذا لأن المسلم فيه دين وشرط جواز العقد القدرة على التسليم وتسليم الدين بالمثل الموجود في العالم والظاهر من حال العاقل أنه لا يقدم على التزام تسليم ما لا يقدر على تسليمه فإذا قيل السلم فيما هو موجود في العالم فالظاهر أنه قادر على تسليمه وذلك يكفي لجواز العقد وإن لم يكن قادرا على التسليم فيما يدخل في ملكه من رأس المال يقدر على التحصيل والتسليم ولهذا أوجبنا تسليم رأس المال على رب السلم أولا قبل قبض المسلم فيه وبهذا فارق الكتابة الحالة ، قال : ( فإني لا أجوز الكتابة الحالة فإن العبد يخرج من يد مولاه غير مالك لشيء ) فلا يكون قادرا على تسليم البدل وربما يدخل في ملكه بالعقد لا يقدر على التحصيل إلا بمدة فلهذا لا أجوزه إلا مؤجلا فأما المسلم إليه حر من أهل الملك قبل العقد فالظاهر قدرته على التسليم إلا أن يكون معدما في العالم فحينئذ لا يقدر على التسليم إلا بوجوده في أوانه فلا يجوز السلم فيه إلا مؤجلا وحجتنا في ذلك قوله : صلى الله عليه وسلم { من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم } فقد شرط لجواز السلم إعلام الأجل كما شرط إعلام القدر والمراد بيان أن الأجل من شرائط السلم كالرجل يقول من أراد الصلاة فليتوضأ [ ص: 126 ] إلا أن يكون المراد به إذا أسلم مؤجلا ينبغي أن يكون الأجل معلوما وفي قوله صلى الله عليه وسلم رخص في السلم ما يدل على الأجل أيضا ; لأن الرخصة في الشيء تيسير مع قيام المانع والمانع هو العجز عن التسليم فعرفنا أنه رخص فيه مع قيام العجز عن التسليم بإقامة الأجل مقامه ; لأن به يقدر على التسليم إما بالتكسب أو بمجيء زمان الحصاد وهو كالرخصة في المسح على الخفين فإن إقامة المسح مقام الغسل للتيسير وهو المعنى في قوله في المسألة : فإنا نقول : باع ما لا يقدر على تسليمه عند وجوب التسليم فلا يجوز العقد كما لو قيل السلم في المعدوم حالا وبيان ذلك أن عقد السلم من عقود المفاليس فإنه يكون بدون ثمن المثل ولو كان موجودا في ملكه لكان يبيعه بأوفى الأثمان ولا يقبل السلم فيه بدون القيمة

ولا يقال : إنه إنما يقبل السلم فيه لإسقاط مؤنة الإحضار والإراءة للمشتري فيه ; لأن صاحب الشرع استثنى السلم من بيع ما ليس عند الإنسان وبالإجماع المراد بيع ما ليس في ملكه فإن ما في ملكه وإن لم يكن حاضرا يجوز بيعه إذا كان المشتري رآه قبل ذلك وما ليس في ملكه وإن كان حاضرا لا يجوز بيعه فعرفنا أن المراد قبول السلم فيما لا يقدر على تسليمه وبالعقد لا يصير قادرا على التسليم ; لأن العقد سبب للوجوب عليه لا له فلا تثبت به قدرته على التسليم وإنما تكون قدرته بالاكتساب ويحتاج ذلك إلى مدة فإذا كان مؤجلا لا يظهر المانع وهو عجزه عن التسليم وإذا كان حالا يظهر المانع والدليل عليه أن بالاتفاق يجب تسليم رأس المال أولا فلو جاز أن يكون المسلم فيه حالا لم يجب تسليم رأس المال أولا ; لأن قيمة المعاوضة التسوية بين المتعاقدين في التمليك والتسليم ويتضح هذا فيما إذا كان رأس المال عينا فإن أول التسلمين في البدل الذي هو دين كالثمن في بيع العين والدليل عليه أن السلم اختص بالدين مع مشاركة العين الدين فيما هو المقصود فما كان ذلك إلا لاختصاصه بحكم يختص به الدين وليس ذلك إلا الأجل وبه يبطل قولهم : إن السلم الحال أبعد عن الغرر من المؤجل ; لأن السلم في العين أبعد عن الغرر من السلم في الدين ومع ذلك اختص السلم بالدين وهذا بخلاف الكتابة عندنا فإن البدل في الكتابة معقود به لا معقود عليه والقدرة على تسليم المعقود به ليس بشرط لجواز العقد كالثمن في المبيع فأما المسلم فيه معقود عليه والقدرة على تسليم المعقود عليه شرط لجواز العقد كما في بيع العين ولأن الكتابة عقد إرفاق فالظاهر أن المولى لا يضيق عليه في المطالبة بالبدل وأما السلم عقد تجارة وهو مبني على الضيق فالظاهر أنه يطالبه بالتسليم عقيب العقد وهو عاجز عن ذلك فلهذا لم يجوزه [ ص: 127 ] إلا مؤجلا

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث