الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


سورة الجن .

بسم الله الرحمن الرحيم .

قال تعالى : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ( 1 ) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ( 2 ) ) .

قوله تعالى : ( أوحي إلي ) : يقرأ أحي بغير واو ، وأصله وحي ، يقال : وحي وأوحى ، ثم قلبت الواو المضمومة همزة . وما في هذه السورة من " أن " فبعضه مفتوح وبعضه مكسور ، وفي بعضه اختلاف ، فما كان معطوفا على أنه استمع فهو مفتوح لا غير ؛ لأنها مصدرية ، وموضعها رفع بالوحي ؛ وما كان معطوفا على " إنا سمعنا " فهو مكسور ؛ لأنه حكي بعد القول ؛ وما صح أن يكون معطوفا على الهاء في " به " كان على قول الكوفيين على تقدير العطف ؛ ولا يجيزه البصريون ؛ لأن حرف الجزم يلزم إعادته عندهم هنا .

فأما قوله تعالى : ( وأن المساجد لله ) : فالفتح على وجهين :

أحدهما : هو معطوف على " أنه استمع " فيكون قد أوحي . والثاني : أن يكون متعلقا بتدعوا ؛ أي فلا تشركوا مع الله أحدا ؛ لأن المساجد له ؛ أي مواضع السجود .

[ ص: 470 ] وقيل : هو جمع مسجد ؛ وهو مصدر . ومن كسر استأنف . وأما " وأنه لما قام " فيحتمل العطف على " أنه استمع " وعلى " إنا سمعنا " .

قال تعالى : ( وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ( 4 ) وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ( 5 ) ) .

( شططا ) : نعت لمصدر محذوف ؛ أي قولا شططا ؛ وكذلك " كذبا " أي قولا كذبا .

ويقرأ تقول : بالتشديد ، فيجوز أن يكون " كذبا " مفعولا ونعتا .

قال تعالى : ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ( 9 ) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ( 10 ) ) .

( رصدا ) : أي مرصدا ، أو ذا إرصاد . و ( أشر ) : فاعل فعل محذوف ؛ أي أريد شر .

قال تعالى : ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ( 11 ) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ( 12 ) ) .

و ( قددا ) : جمع قدة ، مثل عدة وعدد . و ( هربا ) : مصدر في موضع الحال .

قال تعالى : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ( 16 ) ) .

قوله تعالى : ( وأن لو استقاموا ) : أن مخففة من الثقيلة ، و " لو " عوض ، كالسين وسوف ، وقيل : " لو " بمعنى إن ، وإن بمعنى اللام ، وليست لازمة ؛ كقوله تعالى : ( لئن لم ينته ) [ الأحزاب : 60 ] . وقال تعالى في موضع آخر : ( وإن لم ينتهوا ) [ المائدة : 73 ] ذكره ابن فضال في البرهان .

قال تعالى : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ( 19 ) ) .

[ ص: 471 ] والهاء في " يدعوه " ضمير اسم الله ؛ أي قام موحدا الله .

و ( لبدا ) : جمع لبدة ، ويقرأ بضم اللام وفتح الباء ، مثل حطم ؛ وهو نعت للمبالغة . ويقرأ مشددا مثل : صوم .

قال تعالى : ( إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ( 23 ) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ( 24 ) ) .

قوله تعالى : ( إلا بلاغا ) : هو من غير الجنس . و ( من أضعف ) : قد ذكر أمثاله .

قال تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ( 26 ) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ( 27 ) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ( 28 ) ) .

و ( من ارتضى ) : " من " استثناء من الجنس . وقيل : هو مبتدأ ، والخبر : فإنه .

و ( رصدا ) : مفعول يسلك ؛ أي ملائكة رصدا .

و ( عددا ) : مصدر ، لأن أحصى بمعنى عد ؛ ويجوز أن يكون تمييزا . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث