الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الوفود الواردين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ ص: 232 ] كتاب الوفود الواردين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال محمد بن إسحاق : لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه - قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع ، وأنها كانت تسمى سنة الوفود - قال ابن إسحاق : وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش ; لأن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم ، وأهل البيت والحرم ، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ، وقادة العرب ، لا ينكرون ذلك ، وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه ، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ، ودوخها الإسلام ، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته ، فدخلوا في دين الله - كما قال عز وجل - أفواجا ، يضربون إليه من كل وجه ، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ( النصر : 1 - 3 ) أي فاحمد الله على ما أظهر من دينك ، واستغفره إنه كان توابا .

وقد قدمنا حديث عمرو بن سلمة قال : وكانت العرب تلوم بإسلامهم [ ص: 233 ] الفتح فيقولون : اتركوه وقومه ، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق . فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم ، وبدر أبي قومي بإسلامهم ، فلما قدم قال : جئتكم والله من عند النبي حقا ، قال : " صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكثركم قرآنا " . وذكر تمام الحديث وهو في " صحيح البخاري " .

قلت : وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم ، من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع ، بل وعلى فتح مكة . وقد قال الله تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ( الحديد : 10 ) . وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح : " لا هجرة ، ولكن جهاد ونية " . فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة ، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعده الله خيرا وحسنى ، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة . والله أعلم . على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بإيراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها ، ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه ، وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك ، ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان .

وقد قال محمد بن عمر الواقدي : حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن [ ص: 234 ] أبيه عن جده قال : كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر أربعمائة من مزينة ، وذلك في رجب سنة خمس ، فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال : " أنتم مهاجرون حيث كنتم ، فارجعوا إلى أموالكم " . فرجعوا إلى بلادهم .

ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي بإسناده ، أن أول من قدم من مزينة خزاعي بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه ، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على إسلام قومه ، فلما رجع إليهم لم يجدهم كما ظن فيهم ، فتأخروا عنه ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه ، فذكر أبياتا ، فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه ، فحموا له ، وأسلموا معه ، وقدم بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفا - إلى خزاعي هذا . قال : وهو أخو عبد الله ذي البجادين .

وقال البخاري رحمه الله : باب وفد بني تميم ، حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبي صخرة عن صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين قال : أتى نفر من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اقبلوا البشرى يا بني تميم " . قالوا : يا رسول الله قد بشرتنا فأعطنا . فرئي ذلك في وجهه ، فجاء نفر من اليمن ، فقال : " اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم " . قالوا : قد قبلنا يا رسول الله . ثم قال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن [ ص: 235 ] ابن جريج أخبره عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد بن زرارة . فقال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي . فقال عمر : ما أردت خلافك . فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ( الحجرات : 1 ) حتى انقضت . ورواه البخاري أيضا من غير وجه ، عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخر ، قد ذكرنا ذلك في " التفسير " عند قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآية .

وقال محمد بن إسحاق : ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب ، قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم ، منهم ; الأقرع بن حابس التميمي والزبرقان بن بدر التميمي أحد بني سعد ، وعمرو بن الأهتم والحبحاب بن يزيد ونعيم بن يزيد وقيس بن الحارث وقيس بن عاصم أخو بني سعد ، في وفد عظيم من بني تميم . قال ابن إسحاق : ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وقد كان الأقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا والطائف ، فلما قدم [ ص: 236 ] وفد بني تميم كانا معهم فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته ; أن اخرج إلينا يا محمد . فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم ، فخرج إليهم فقالوا : يا محمد ، جئناك نفاخرك ، فأذن لشاعرنا وخطيبنا . قال : " قد أذنت لخطيبكم فليقل " . فقام عطارد بن حاجب فقال : الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكا ، ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف ، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا ، وأيسره عدة ، فمن مثلنا في الناس ؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا ، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام ، ولكن نستحي من الإكثار فيما أعطانا ، وإنا نعرف بذلك ، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا ، وأمر أفضل من أمرنا . ثم جلس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج : " قم فأجب الرجل في خطبته " . فقام ثابت فقال : الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ، ووسع كرسيه علمه ، ولم يك شيء قط إلا من فضله ، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا ، واصطفى من خير خلقه رسولا ، أكرمه نسبا ، وأصدقه حديثا ، وأفضله حسبا ، فأنزل عليه كتابا ، وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة الله من العالمين ، ثم دعا الناس إلى الإيمان به ، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه ، أكرم الناس أحسابا ، وأحسن الناس وجوها ، وخير الناس فعالا ، ثم كان أول الخلق إجابة [ ص: 237 ] واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن ، فنحن أنصار الله وزراء رسوله ، نقاتل الناس حتى يؤمنوا ، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا ، وكان قتله علينا يسيرا ، أقول قولي هذا ، وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات ، والسلام عليكم . فقام الزبرقان بن بدر فقال :


نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع     وكم قسرنا من الأحياء كلهم
عند النهاب وفضل العز يتبع     ونحن يطعم عند القحط مطعمنا
من الشواء إذا لم يؤنس القزع     بما ترى الناس تأتينا سراتهم
من كل أرض هويا ثم نصطنع     فننحر الكوم عبطا في أرومتنا
للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا     فما ترانا إلى حي نفاخرهم
إلا استفادوا فكانوا الرأس يقتطع     فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه
فيرجع القوم والأخبار تستمع     إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد
إنا كذلك عند الفخر نرتفع

قال ابن إسحاق : وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال حسان : فجاءني رسوله ، فأخبرني أنه إنما دعاني لأجيب شاعر [ ص: 238 ] بني تميم . قال : فخرجت وأنا أقول :

منعنا رسول الله إذ حل وسطنا     على أنف راض من معد وراغم
منعناه لما حل بين بيوتنا     بأسيافنا من كل باغ وظالم
ببيت حريد عزه وثراؤه     بجابية الجولان وسط الأعاجم
هل المجد إلا السؤدد العود والندى     وجاه الملوك واحتمال العظائم

قال : فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال ، عرضت في قوله ، وقلت على نحو ما قال . قال : فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : " قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال " . فقال حسان :


إن الذوائب من فهر وإخوتهم     قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته     تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم     أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة     إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم     فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
[ ص: 239 ] لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم     عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم     أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم     لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم     ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم     كما يدب إلى الوحشية الذرع
نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها     إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم     وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع     أسد بحلية في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا     ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم فاترك عداوتهم     شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم     إذا تفاوتت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره     فيما أحب لسان حائك صنع
[ ص: 240 ] فإنهم أفضل الأحياء كلهم     إن جد في الناس جد القول أو شمعوا

وقال ابن هشام وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم قام فقال :


أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا     إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن     وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا     ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
وأن لنا المرباع في كل غارة     نغير بنجد أو بأرض الأعاجم

قال : فقام حسان فأجابه فقال :


هل المجد إلا السؤدد العود والندى     وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدا     على أنف راض من معد وراغم
بحي حريد أصله وثراؤه     بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل بين ديارنا     بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا     وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا     على دينه بالمرهفات الصوارم
[ ص: 241 ] ونحن ولدنا من قريش عظيمها     ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم لا تفخروا إن فخركم     يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم     لنا خول من بين ظئر وخادم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم     وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا     ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم

قال ابن إسحاق : فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله ، قال الأقرع بن حابس : وأبي إن هذا لمؤتى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا ، ولشاعره أشعر من شاعرنا ، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا . قال : فلما فرغ القوم أسلموا ، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم ، وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم ، وكان أصغرهم سنا ، فقال قيس بن عاصم ، وكان يبغض عمرو بن الأهتم : يا رسول الله ، إنه قد كان رجل منا في رحالنا ، وهو غلام حدث . وأزرى به . فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم ، فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه :


ظللت مفترش الهلباء تشتمني     عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم     باد نواجذه مقع على الذنب

[ ص: 242 ] وقد روى الحافظ البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير الحنظلي قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم فقال لعمرو بن الأهتم : " أخبرني عن الزبرقان فأما هذا فلست أسألك عنه " . وأراه كان قد عرف قيسا . قال : فقال : مطاع في أدنيه ، شديد العارضة ، مانع لما وراء ظهره . فقال الزبرقان : قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال . قال : فقال عمرو : والله ما علمتك إلا زمر المروءة ، ضيق العطن ، أحمق الأب ، لئيم الخال . ثم قال : يا رسول الله ، قد صدقت فيهما جميعا ; أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه ، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم فيه . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من البيان سحرا " . وهذا مرسل من هذا الوجه .

قال البيهقي : وقد روي من وجه آخر موصولا أخبرنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي ثنا محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي ثنا محمد بن عبد الله بن الحسين العلاف ببغداد ، حدثنا علي بن حرب الطائي أنبأنا أبو سعد بن الهيثم بن محفوظ عن أبي المقوم يحيى بن يزيد الأنصاري عن [ ص: 243 ] الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال : جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميون ، ففخر الزبرقان فقال : يا رسول الله ، أنا سيد بني تميم ، والمطاع فيهم والمجاب ، أمنعهم من الظلم ، وآخذ لهم بحقوقهم ، وهذا يعلم ذلك . يعني عمرو بن الأهتم فقال عمرو بن الأهتم : إنه لشديد العارضة ، مانع لجانبه ، مطاع في أدنيه . فقال الزبرقان : والله يا رسول الله ، لقد علم مني غير ما قال ، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد . فقال عمرو بن الأهتم : أنا أحسدك ؟ ! فوالله إنك للئيم الخال ، حديث المال ، أحمق الوالد ، مضيع في العشيرة . والله يا رسول الله ، لقد صدقت فيما قلت أولا ، وما كذبت فيما قلت آخرا ، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت ، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت ، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من البيان سحرا " وهذا إسناد غريب جدا .

وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد شهروا السلاح على خزاعة ، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري ، فأسر منهم أحد عشر رجلا ، وإحدى عشرة امرأة ، وثلاثين صبيا ، فقدم رؤساؤهم بسبب أسرائهم ، ويقال : قدم منهم تسعون أو ثمانون رجلا في ذلك ، منهم ; عطارد والزبرقان وقيس بن عاصم وقيس بن [ ص: 244 ] الحارث ونعيم بن سعد والأقرع بن حابس ورباح بن الحارث وعمرو بن الأهتم فدخلوا المسجد وقد أذن بلال الظهر ، والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم ، فعجل هؤلاء ، فنادوه من وراء الحجرات ، فنزل فيهم ما نزل . ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم ، وأنه ، عليه الصلاة والسلام ، أجازهم على كل رجل اثنتي عشرة أوقية ونشا ، إلا عمرو بن الأهتم فإنما أعطي خمس أواق لحداثة سنه . والله أعلم .

قال ابن إسحاق : ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم .

قال ابن جرير حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء في قوله : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إن حمدي زين وذمي شين . فقال : ذاك الله عز وجل وهذا إسناد جيد متصل .

وقد روي عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما ، وقد وقع تسمية هذا الرجل ; فقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول [ ص: 245 ] الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، يا محمد - وفي رواية : يا رسول الله - فلم يجبه فقال : يا رسول الله ، إن حمدي لزين ، وإن ذمي لشين . فقال : " ذاك الله عز وجل " . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث