الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما .

( بل ) إضراب انتقالي ، والمناسبة بين الغرضين المنتقل منه والمنتقل إليه مناسبة المقابلة لمضمون ( فأكرمه ونعمه ) من جهة ما توهموه أن نعمة مالهم وسعة عيشهم تكريم من الله لهم ، فنبههم الله على أنهم إن أكرمهم الله فإنهم لم يكرموا عبيده شحا بالنعمة ، إذ حرموا أهل الحاجة من فضول أموالهم وإذ يستزيدون من المال ما لا يحتاجون إليه وذلك دحض لتفخرهم بالكرم والبذل .

فجملة ( لا تكرمون اليتيم ) استئناف كما يقتضيه الإضراب ، فهو إما استئناف ابتداء كلام وإما اعتراض بين ( كلا ) وأختها كما سيأتي . وإكرام اليتيم : سد خلته وحسن معاملته لأنه مظنة الحاجة لفقد عائله ، ولاستيلائهم على الأموال التي يتركها الآباء لأبنائهم الصغار . وقد كانت الأموال في الجاهلية يتداولها رؤساء العائلات .

[ ص: 333 ] والبر لأنه مظنة انكسار الخاطر لشعوره بفقد من يدل هو عليه .

واليتيم : الصبي الذي مات أبوه ، وتقدم في سورة النساء ، وتعريفه للجنس ، أي : لا تكرمون اليتامى ، وكذلك تعريف المسكين .

ونفي الحض على طعام المسكين نفي لإطعامه بطريق الأولى ، وهي دلالة فحوى الخطاب ، أي : لقلة الاكتراث بالمساكين لا ينفعونهم ولو نفع وساطة ، بله أن ينفعوهم بالبذل من أموالهم .

و ( طعام ) يجوز أن يكون اسما بمعنى المطعوم ، بالتقدير : ولا يحضون على إعطاء طعام المسكين ، فإضافته إلى المسكين على معنى لام الاستحقاق ، ويجوز أن يكون اسم مصدر أطعم ، والمعنى : ولا تحضون على إطعام الأغنياء المساكين ، فإضافته إلى المسكين من إضافة المصدر إلى مفعوله .

والمسكين : الفقير ، وتقدم في سورة براءة .

وقد حصل في الآية احتباك لأنهم لما نفي إكرامهم اليتيم وقوبل بنفي أن يحضوا على طعام المسكين ، علم أنهم لا يحضون على إكرام أيتامهم ، أي : لا يحضون أولياء الأيتام على ذلك ، وعلم أنهم لا يطعمون المساكين من أموالهم .

ويجوز أن يكون الحض على الطعام كناية عن الإطعام ؛ لأن من يحض على فعل شيء يكون راغبا في التلبس به ، فإذا تمكن أن يفعله فعله ، ومنه قوله تعالى : ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) أي : عملوا بالحق وصبروا وتواصوا بهما .

وقرأ الجمهور ( لا تكرمون ، ولا تحضون ، وتأكلون ، وتحبون ) بالمثناة الفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات من الغيبة في قوله : ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ) الآيات لقصد مواجهتهم بالتوبيخ ، وهو بالمواجهة أوقع منه بالغيبة . وقرأها أبو عمرو ويعقوب بالمثناة التحتية على الغيبة لتعريف النبيء - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين بذلك فضحا لدخائلهم على نحو قوله تعالى : ( يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ) .

وقرأ الجمهور : ( ولا تحضون ) بضم الحاء مضارع حض ، وقرأه عاصم وحمزة [ ص: 334 ] والكسائي وأبو جعفر وخلف ( تحاضون ) بفتح الحاء وألف بعدها ، مضارع حاض بعضهم بعضا ، وأصله ( تتحاضون ) فحذفت إحدى التاءين اختصارا للتخفيف أي : تتمالئون على ترك الحض على الإطعام .

والتراث : المال الموروث ، أي : الذي يخلفه الرجل بعد موته لوارثه ، وأصله : وراث بواو في أوله بوزن فعال من مادة ورث بمعنى مفعول مثل الدقاق ، والحطام ، أبدلت واوه تاء على غير قياس كما فعلوا في تجاه ، وتخمة ، وتهمة ، وتقاة وأشباهها .

والأكل : مستعار للانتفاع بالشيء انتفاعا لا يبقي منه شيئا ، وأحسب أن هذه الاستعارة من مبتكرات القرآن ، إذ لم أقف على مثلها في كلام العرب .

وتعريف التراث عوض عن المضاف إليه . أي : تراث اليتامى وكذلك كان أهل الجاهلية يمنعون النساء والصبيان من أموال مورثيهم .

وأشعر قوله : ( تأكلون ) بأن المراد التراث الذي لا حق لهم فيه ، ومنه يظهر وجه إيثار لفظ التراث دون أن يقال : وتأكلون المال ؛ لأن التراث مال مات صاحبه وأكله يقتضي أن يستحق ذلك المال عاجز عن الذب عن ماله لصغر أو أنوثة .

واللم : الجمع ، ووصف الأكل به وصف بالمصدر للمبالغة ، أي : أكلا جامعا مال الوارثين إلى مال الآكل ، كقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم .

والجم : الكثير ، يقال : جم الماء في الحوض ، إذا كثر ، وبئر جموم بفتح الجيم : كثيرة الماء ، أي : حبا كثيرا ، ووصف الحب بالكثرة مراد به الشدة ؛ لأن الحب معنى من المعاني النفسية لا يوصف بالكثرة التي هي وفرة عدد أفراد الجنس .

فالجم مستعار لمعنى القوي الشديد ، أي : حبا مفرطا ، وذلك محل ذم حب المال ؛ لأن إفراد حبه يوقع في الحرص على اكتسابه بالوسائل غير الحق ، كالغصب والاختلاس والسرقة وأكل الأمانات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث