الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 186 ] ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين )

قوله تعالى ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا ياأيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين )

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من إعادة قصة موسى - عليه السلام - وفرعون في هذا المقام تقرير الكلام الذي تقدم ، وذلك لأن كفار قريش طعنوا في نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بسبب كونه فقيرا عديم المال والجاه ، فبين الله تعالى أن موسى - عليه السلام - بعد أن أورد المعجزات القاهرة الباهرة التي لا يشك في صحتها عاقل أورد فرعون عليه هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش ، فقال : إني غني كثير المال والجاه ، ألا ترون أنه حصل لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ، وأما موسى فإنه فقير مهين وليس له بيان ولسان ، والرجل الفقير كيف يكون رسولا من عند الله إلى الملك الكبير الغني ، فثبت أن هذه الشبهة التي ذكرها كفار مكة ، وهي قولهم ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) [الزخرف : 31] وقد أوردها بعينها فرعون على موسى ، ثم إنا انتقمنا منهم فأغرقناهم ، والمقصود من إيراد هذه القصة - تقرير أمرين :

أحدهما : أن الكفار والجهال أبدا يحتجون على الأنبياء بهذه الشبهة الركيكة فلا يبالى بها ولا يلتفت إليها .

والثاني : أن فرعون على غاية كمال حاله في الدنيا صار مقهورا باطلا ، فيكون الأمر في حق أعدائك هكذا ، فثبت أنه ليس المقصود من إعادة هذه القصة عين هذه القصة ، بل المقصود تقرير الجواب عن الشبهة المذكورة ، وعلى هذا [ ص: 187 ] فلا يكون هذا تقريرا للقصة البتة ، وهذا من نفائس الأبحاث ، والله أعلم .

المسألة الثانية في تفسير الألفاظ : ذكر تعالى أنه أرسل موسى بآياته ، وهي المعجزات التي كانت مع موسى - عليه السلام - إلى فرعون وملئه ، أي قومه ، فقال موسى : إني رسول رب العالمين ، فلما جاءهم بتلك الآيات إذا هم منها يضحكون ، قيل : إنه لما ألقى عصاه صار ثعبانا ثم أخذه فعاد عصا كما كان - ضحكوا ، ولما عرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت - ضحكوا ، فإن قيل : كيف جاز أن يجاب عن " لما " بـ "إذا " الذي يفيد المفاجأة ؟ قلنا : لأن فعل المفاجأة معها مقدر ؛ كأنه قيل : فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم .

ثم قال : ( وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ) فإن قيل : ظاهر اللفظ يقتضي كون كل واحد منها أفضل من التالي ، وذلك محال ، قلنا : إذا أريد المبالغة في كون كل من تلك الأشياء بالغا إلى أقصى الدرجات في الفضيلة ، فقد يذكر هذا الكلام بمعنى أنه لا يبعد في أناس ينظرون إليها أن يقول هذا : إن هذا أفضل من الثاني ، وأن يقول الثاني : لا بل الثاني أفضل ، وأن يقول الثالث : لا بل الثالث أفضل ، وحينئذ يصير كل واحد من تلك الأشياء مقولا فيه : إنه أفضل من غيره .

ثم قال تعالى : ( وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون ) أي عن الكفر إلى الإيمان ، قالت المعتزلة : هذا يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل وأنه إنما أظهر تلك المعجزات القاهرة لإرادة أن يرجعوا من الكفر إلى الإيمان ، قال المفسرون : ومعنى قوله ( وأخذناهم بالعذاب ) أي بالأشياء التي سلطها عليها كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس .

ثم قال تعالى : ( وقالوا ياأيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون ) فإن قيل : كيف سموه بالساحر مع قولهم ( إننا لمهتدون ) ؟ قلنا : فيه وجوه :

الأول : أنهم كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر ، لأنهم كانوا يستعظمون السحر ، وكما يقال في زماننا في العامل العجيب الكامل إنه أتى بالسحر .

الثاني : ( ياأيها الساحر ) في زعم الناس ومتعارف قوم فرعون كقوله ( وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) [الحجر : 6] أي نزل عليه الذكر في اعتقاده وزعمه .

الثالث : أن قولهم ( إننا لمهتدون ) وقد كانوا عازمين على خلافه ، ألا ترى إلى قوله ( فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ) فتسميتهم إياه بالسحر لا ينافي قولهم ( إننا لمهتدون ) ثم بين تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا ذلك العهد .

ولما حكى الله تعالى معاملة فرعون مع موسى ، حكى أيضا معاملة فرعون معه فقال : ( ونادى فرعون في قومه ) والمعنى أنه أظهر هذا القول ، فقال : ( ياقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ) يعني الأنهار التي فصلوها من النيل ، ومعظمها أربعة : نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس ، قيل : كانت تجري تحت قصره ، وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله وقوة جاهه على فضيلة نفسه .

ثم قال : ( أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ) وعنى بكونه مهينا كونه فقيرا ضعيف الحال ، وبقوله ( ولا يكاد يبين ) حبسة كانت في لسانه ، واختلفوا في معنى " أم " ههنا ، فقال أبو عبيدة : مجازها : بل أنا خير ، وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله ( أفلا تبصرون ) ثم ابتدأ فقال : ( أم أنا خير ) بمعنى بل أنا خير ، وقال الباقون : " أم " هذه متصلة ؛ لأن المعنى ( أفلا تبصرون ) أم تبصرون ، إلا أنه وضع قوله ( أنا خير ) موضع " تبصرون " ، لأنهم إذا قالوا له : أنت خير ، فهم عنده بصراء ، وقال آخرون : إن تمام الكلام عند قوله " أم " ، وقوله [ ص: 188 ] ( أنا خير ) ابتداء الكلام ، والتقدير : ( أفلا تبصرون ) أم تبصرون ، لكنه اكتفى فيه بذكر " أم " كما تقول لغيرك : أتأكل أم . أي : أتأكل أم لا تأكل ، تقتصر على ذكر كلمة " أم " إيثارا للاختصار ، فكذا ههنا ، فإن قيل : أليس أن موسى - عليه السلام - سأل الله تعالى أن يزيل الرتة عن لسانه بقوله ( واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ) [طه : 27] فأعطاه الله تعالى ذلك بقوله ( قد أوتيت سؤلك ياموسى ) فكيف عابه فرعون بتلك الرتة ؟ والجواب عنه من وجهين :

الأول : أن فرعون أراد بقوله ( ولا يكاد يبين ) حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي ، ولم يرد أنه لا قدرة له على الكلام .

والثاني : أنه عابه بما كان عليه أولا ، وذلك أن موسى كان عند فرعون زمانا طويلا وفي لسانه حبسة ، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرتة لأنه لم يعلم أن الله تعالى أزال ذلك العيب عنه .

ثم قال : ( فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب ) والمراد أن عادة القوم جرت بأنهم إذا جعلوا واحدا منهم رئيسا لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب ، فطلب فرعون من موسى مثل هذه الحالة ، واختلف القراء في " أسورة " ، فبعضهم قرأ : " أسورة " ، وآخرون : " أساورة " ، فأسورة جمع سوار لأدنى العدد ، كقولك حمار وأحمرة وغراب وأغربة ، ومن قرأ " أساورة " فذاك لأن أساوير جمع أسوار ، وهو السوار ، فأساورة تكون الهاء عوضا عن الياء ، نحو بطريق وبطارقة وزنديق وزنادقة وفرزين وفرازنة ، فتكون أساورة جمع أسوار ، وحاصل الكلام يرجع إلى حرف واحد ، وهو أن فرعون كان يقول أنا أكثر مالا وجاها ، فوجب أن أكون أفضل منه ، فيمتنع كونه رسولا من الله ، لأن منصب النبوة يقتضي المخدومية ، والأخس لا يكون مخدوما للأشرف ، ثم المقدمة الفاسدة هي قوله : من كان أكثر مالا وجاها فهو أفضل ، وهي عين المقدمة التي تمسك بها كفار قريش في قولهم ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) ثم قال : ( أو جاء معه الملائكة مقترنين ) يجوز أن يكون المراد مقرنين به ، من قولك : قرنته به فاقترن ، وأن يكون من قولهم : اقترنوا بمعنى تقارنوا ، قال الزجاج : معناه يمشون معه فيدلون على صحة نبوته .

ثم قال تعالى : ( فاستخف قومه فأطاعوه ) أي طلب منهم الخفة في الإتيان بما كان يأمرهم به فأطاعوه ( إنهم كانوا قوما فاسقين ) حيث أطاعوا ذلك الجاهل الفاسق ( فلما آسفونا ) أغضبونا ، حكي أن ابن جريج غضب في شيء ، فقيل له : أتغضب يا أبا خالد ؟ فقال : قد غضب الذي خلق الأحلام ، إن الله يقول : ( فلما آسفونا ) أي أغضبونا .

ثم قال تعالى : ( انتقمنا منهم ) واعلم أن ذكر لفظ الأسف في حق الله تعالى محال ، وذكر لفظ الانتقام وكل واحد منهما من المتشابهات التي يجب أن يصار فيها إلى التأويل ، ومعنى الغضب في حق الله إرادة العقاب ، ومعنى الانتقام إرادة العقاب لجرم سابق .

ثم قال تعالى : ( فجعلناهم سلفا ومثلا ) السلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو قرض فهو سلف ، والسلف أيضا من تقدم من آبائك وأقاربك ، واحدهم سالف ، ومنه قول طفيل يرثي قومه :


مضوا سلفا قصد السبيل عليهم وصرف المنايا بالرجال تقلب

فعلى هذا قال الفراء والزجاج : يقول : جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون ، أي : جعلناهم سلفا لكفار أمة محمد عليه السلام . وأكثر القراء قرءوا بالفتح ، وهو جمع سالف كما ذكرناه ، وقرأ حمزة والكسائي : " سلفا " [ ص: 189 ] بالضم ، وهو جمع سلف ، قال الليث : يقال سلف - بضم اللام - يسلف سلوفا ، فهو سلف ، أي : متقدم ، وقوله ( ومثلا للآخرين ) يريد عظة لمن بقي بعدهم وآية وعبرة ، قال أبو علي الفارسي : المثل واحد يراد به الجمع ، ومن ثم عطف على سلف ، والدليل على وقوعه على أكثر من واحد قوله تعالى : ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه ) [النحل : 75] فأدخل تحت المثل شيئين ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث