الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار الآية .

هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات كقوله : يد الله فوق أيديهم [ 48 \ 10 ] ونحو ذلك ; أشكلت على كثير من الناس إشكالا ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة ، فصار قوم إلى التعطيل وقوم إلى التشبيه ، سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن ذلك كله والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح ، ولم يترك فيه أي لبس ولا إشكال ، وحاصل تحرير ذلك أنه جل وعلا بين أن الحق في آيات الصفات متركب من أمرين :

أحدهما : تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الحوادث في صفاتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .

والثاني : الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه ، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ; لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله : أأنتم أعلم أم الله [ 2 \ 140 ] ، ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي قال فيه : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [ 53 \ 3 ، 4 ] فمن نفى عن الله وصفا أثبته لنفسه في كتابه العزيز ، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم زاعما أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله جل وعلا ، فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما يليق بالله جل وعلا . سبحانك هذا بهتان عظيم .

ومن اعتقد أن وصف الله يشابه صفات الخلق ، فهو مشبه ملحد ضال ، ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق ، فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال ، والتنزيه عن مشابهة الخلق ، سالم من ورطة التشبيه والتعطيل ، والآية التي أوضح الله بها هذا . هي قوله تعالى : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير [ 42 \ 11 ] فنفى عن نفسه جل وعلا مماثلة الحوادث بقوله : ليس كمثله شيء وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله : وهو السميع البصير فصرح في هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الإتصاف بصفات الكمال والجلال .

والظاهر أن السر في تعبيره بقوله : وهو السميع البصير دون أن يقول مثلا : [ ص: 19 ] وهو العلي العظيم أو نحو ذلك من الصفات الجامعة ; أن السمع والبصر يتصف بهما جميع الحيوانات ، فبين أن الله متصف بهما ، ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين وصفه تعالى ، وبين صفات خلقه ، ولذا جاء بقوله : وهو السميع البصير بعد قوله : ليس كمثله شيء ففي هذه الآية الكريمة إيضاح للحق في آيات الصفات لا لبس معه ولا شبهة البتة ، وسنوضح إن شاء الله هذه المسألة إيضاحا تاما بحسب طاقتنا ، وبالله جل وعلا التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث