الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى : هل هو مستلزم لإرادته أم لا ؟ فهو سبحانه أمر الخلق على ألسن رسله عليهم السلام بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم ، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله ، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل ويجعله فاعلا له . ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله ، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات ، غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما هو مصلحة للعبد أو مفسدة ، وهو سبحانه - إذا أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما بالإيمان - كان قد بين لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه ، ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم ، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة من حيث هو فعل له ، فإنه يخلق ما يخلق لحكمة ، ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور به مصلحة للمأمور إذا فعله - أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو أو جعل المأمور فاعلا له . فأين جهة الخلق من جهة الأمر ؟ فالواحد من الناس يأمر غيره وينهاه مريدا لنصحه ومبينا لما ينفعه ، وإن كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل ، إذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه - يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه ، بل قد تكون مصلحتي إرادة ما يضاده . فجهة أمره لغيره نصحا غير جهة فعله لنفسه ، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين فهو في حق الله أولى بالإمكان .

[ ص: 82 ] والقدرية تضرب مثلا بمن أمر غيره بأمره ، فإنه لا بد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إلى فعله ، كالبشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد ونحو ذلك .

فيقال لهم : هذا يكون على وجهين : أحدهما : أن تكون مصلحة الأمر تعود إلى الآمر ، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه ، وأمر السيد عبده بما يصلح ملكه ، وأمر الإنسان شريكه بما يصلح الأمر المشترك بينهما ، ونحو ذلك .

الثاني : أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له ، كالأمر بالمعروف ، وإذا أعان المأمور على البر والتقوى فإنه قد علم أن الله يثيبه على إعانته على الطاعة ، وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه . فأما إذا قدر أن الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور ، لا لنفع يعود على الآمر من فعل المأمور ، كالناصح المشير ، وقدر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر ، وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة على الآمر ، مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى وقال لموسى عليه السلام : إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين ( القصص : 20 ) . فهذا مصلحته في أن يأمر موسى عليه السلام بالخروج ، لا في أن يعينه على ذلك ، إذ لو أعانه لضره قومه . ومثل هذا كثير .

وإذا قيل : إن الله أمر العباد بما يصلحهم ، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على ما أمرهم به ، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدا [ ص: 83 ] على ما به يصير فاعلا . وإذا عللت أفعاله بالحكمة ، فهي ثابتة في نفس الأمر ، وإن كنا نحن لا نعلمها . فلا يلزم إذا كان في نفس الآمر له حكمة في الأمر أن يكون في الإعانة على فعل المأمور به حكمة ، بل قد تكون الحكمة تقتضي أن لا يعينه على ذلك ، فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر لمصلحة المأمور ، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا يعينه على ذلك : فإمكان ذلك في حق الرب أولى وأحرى .

والمقصود : أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه عليه ، فالخالق أولى بإمكان ذلك في حقه مع حكمته . فمن أمره وأعانه على فعل المأمور كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره إنشاء وخلقا ومحبة ، فكان مرادا بجهة الخلق ومرادا بجهة الأمر . ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه ، لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به ، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده . وخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر ، فإن خلق المرض - الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته وتكفير خطاياه ويرق به قلبه ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان - يضاد خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح . ولذلك كان خلق ظلم الظالم - الذي يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض - يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح ، وإن كانت مصلحته هو في أن يعدل .

وتفصيل حكمة الله عز وجل في خلقه وأمره ، يعجز عن معرفتها [ ص: 84 ] عقول البشر ، والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة : مثلوا الله فيها بخلقه ، ولم يثبتوا حكمة تعود إليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث