الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب فضل الدوام على الذكر

جزء التالي صفحة
السابق

4937 (22) باب

فضل الدوام على الذكر

[ 2665 ] عن حنظلة الأسيدي قال - وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : لقيني أبو بكر فقال : كيف أنت يا حنظلة ؟ قال : قلت : نافق حنظلة ، قال : سبحان الله ! ما تقول ؟ قال : قلت : نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار ، حتى كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عافسنا الأزواج ، والأولاد ، والضيعات ، نسينا كثيرا ، قال أبو بكر : فوالله إنا لنلقى مثل هذا ، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت : نافق حنظلة يا رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما ذاك ؟ قلت : يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة ; كأنا رأي عين ، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج ، والأولاد ، والضيعات ، نسينا كثيرا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، لو تدومون على ما تكونون عندي ، وفي الذكر ، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ، ساعة وساعة . ثلاث مرات .

رواه مسلم (2750) (12) .

التالي السابق


[ (22) ومن باب : فضل الدوام على الذكر ]

قول حنظلة الأسيدي : هو بتخفيف الياء ، منسوب إلى أسيد ، قيل : من بني تميم . ومن رواه الأسدي فقد أخطأ ، وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

و (قوله : نافق حنظلة ) . إنكار منه على نفسه لما وجد منها في خلوتها خلاف ما يظهر منها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فخاف أن يكون ذلك من أنواع النفاق ، وأراد من نفسه أن يستديم تلك الحالة التي كان يجدها عند موعظة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يشتغل عنها بشيء .

و (قوله : يذكرنا بالجنة والنار ، كأنا رأي عين ) الذي قرأته وقيدته : رأي عين ، منصوبا على المصدر ، كأنه قال : كأنا نراها رأي عين . قال القاضي : ضبطناه بالضم ، أي : كأنا بحال من يراهما ، ويصح النصب على المصدر .

و (قوله : عافسنا الأزواج ، والأولاد والضيعات ) الرواية الصحيحة [ ص: 67 ] المعروفة : عافسنا ، بالعين المهملة ، وبالفاء والسين المهملة ، ومعناه : عالجنا وحاولنا . في الصحاح : المعافسة : المعالجة ، يعني أنهم إذا خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اشتغلوا بهذه الأمور ، وتركوا تلك الحالة الشريفة التي كانوا يجدونها عند سماع موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومشاهدته ، وروى الخطابي هذا الحرف : عانسنا بالنون ، وفسره بلاعبنا ، ورواه القتيبي : عانشنا ، بالنون والشين المعجمة ، وفسره بعانقنا ، والتقييد الأول أولى رواية ومعنى . وقد جاء مفسرا في الرواية الأخرى ، فقال : ضاحكت الصبيان ، ولاعبت المرأة . والضيعات : جمع ضيعة ، وهي : ما يكون معاش الرجل منه : من مال ، أو حرفة ، أو صناعة . وقد تقدم ذكرها .

و (قول أبي بكر - رضي الله عنه - : والله إنا لنلقى مثل هذا ) رد على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال ، ولا يعرجون بسببها على أهل ولا مال ، ووجه الرد أن أبا بكر - رضي الله عنه - أفضل الناس كلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، ومع ذلك فلم يدع خروجا عن جبلة البشرية ، ولا تعاطى من دوام الذكر وعدم الفترة ، ما هو خاصة الملائكة . وقد ادعى قوم منهم دوام الأحوال ، وهو بما ذكرناه شبه المحال ، وإنما الذي يدوم المقامات ، لكنها تتفاوت فيها المنازلات . والمقام : ما يحصل للإنسان بسعيه وكسبه . والحال : ما يحصل له بهبة ربه . ولذلك قالوا : المقامات مكاسب ، والأحوال مواهب ، ومن طاب وقته علا نعته ، ومن صفا وارده طاب ورده .

وعلى الجملة فسنة الله في هذا العالم الإنساني جعل تمكينهم في تلوينهم ، ومشاهدتهم في مكابدتهم . وسر ذلك أن هذا العالم متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين ، فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون ، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون ، ومكن الشياطين في الشر والإغواء [ ص: 68 ] بحيث لا يغفلون ، وجعل هذا العالم الإنساني متلونا ، فيمكنه ويلونه ، ويفنيه ويبقيه ، ويشهده ويفقده ، وإليه أشار صاحب الشفاعة بقوله : " ولكن يا حنظلة ، ساعة وساعة " . وقال في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - : " وعلى العاقل أن يكون له ساعات : ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفكر فيها في صنع الله ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب " . هكذا الكمال ، وما عداه ترهات وخيال .

و (قوله : " لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة ") هكذا صحت الرواية بالواو العاطفة للطرف الثاني على الأول ، ويفيد أنه وقف مصافحة الملائكة على حصول حالتين لنا : على حال مشاهدة الجنة والنار مع ذكر الله تعالى ودوام ذلك ، فيعني - والله تعالى أعلم - أن التمكن : إنما هو أن يشاهد الأمور كلها بالله تعالى ، فإذا شاهد الجنة مثلا لم يحجبه ما يشاهد من نعيمها وحسنها من رؤية الله تعالى ; بل : لا يلتفت إليها من حيث هي جنة ; بل : من حيث هي أنها محل القرب من الله تعالى ، ومحل رؤيته ، ومشاهدته ، فيكون فرقه في جمعه ، وعطاؤه في منعه ، ومن كان كذلك ناسب الملائكة في معرفتها ، فبادرت إلى إكرامه ومشافهته ، وإعظامه ومصافحته . والمسؤول من الكريم المتعال أن يمنحنا من صفاء هذه الأحوال .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث