الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 26 ] ( باب الوكالة في البيع والشراء ) ( فصل في الشراء ) [ ص: 27 ] ( قال : ومن وكل رجلا بشراء شيء فلا بد من تسمية جنسه وصفته [ ص: 28 ] أو جنسه ومبلغ ثمنه ) ليصير الفعل الموكل به معلوما فيمكنه الائتمار ، [ ص: 29 ] ( إلا أن يوكله وكالة عامة فيقول : ابتع لي ما رأيت ) ; لأنه فوض الأمر إلى رأيه ، فأي شيء يشتريه يكون ممتثلا . والأصل فيه أن الجهالة اليسيرة تتحمل في الوكالة كجهالة الوصف استحسانا ، [ ص: 30 ] لأن مبنى التوكيل على التوسعة ; لأنه استعانة . وفي اعتبار هذا الشرط بعض الحرج وهو مدفوع

التالي السابق


( باب الوكالة بالبيع والشراء )

( فصل في الشراء )

قدم من أبواب الوكالة ما هو أكثر وقوعا وأمس حاجة وهو الوكالة بالبيع والشراء ، وقدم فصل الشراء ; لأنه ينبئ عن إثبات الملك . والبيع ينبئ عن إزالته ، والإزالة بعد الإثبات كذا في الشروح . أقول : هذا الذي ذكروه لتقديم فصل الشراء [ ص: 27 ] ضعيف جدا ، بل هو أمر وهمي لا تحقيقي ; لأن الشراء كما ينبئ عن إثبات الملك في المبيع ينبئ أيضا عن إزالة الملك عن الثمن ، وإن البيع كما ينبئ عن إزالة الملك عن المبيع ينبئ أيضا عن إثبات الملك في الثمن ، وعن هذا قالوا إن الشراء جالب للمبيع سالب للثمن والبيع على عكسه ، فهما سيان في الإنباء عن الإثبات والإزالة .

وإن وجه بأن الأصل والعمدة في عقد المبايعة هو المبيع فيكفي إنباء الشراء عن الإثبات والبيع عن الإزالة بالنظر إليه . قلنا : لا شك أن ثبوت ملك المشتري في المبيع ليس بمقدم على زوال ملك البائع عنه ، وإلا يلزم أن يجتمع في كل مبيع في آن واحد هو قبل زوال ملك البائع عنه ملكان مستقلان للبائع والمشتري ولا يخفى بطلانه ، فتعين أن ثبوت الملك وزواله في البيع والشراء إنما يتحققان معا بالنسبة إلى الشخصين . وأما قضية كون الإزالة بعد الإثبات فإنما تجرى في محل واحد بالنسبة إلى شخص واحد فهي بمعزل عما نحن فيه . فالأظهر أن الوجه في تقديم فصل الشراء على فصل البيع ما هو الوجه في تقديم باب الوكالة بالبيع والشراء على سائر أبواب الوكالة من كونه أكثر وقوعا وأمس حاجة ، فإن أكثر الناس يوكل الآخر بالشراء في مأكله ومشاربه وملابسه وغير ذلك من الأمور المهمة التي قلما يخلو الإنسان في أوقاته من الاحتياج إليها ، وقلما يقدر على أن يتولى شراءها بنفسه .

بخلاف التوكيل في باب البيع كما لا يخفى ( قال ) أي القدوري في مختصره ( ومن وكل رجلا بشراء شيء أي شيء غير معين ; لأن في العين لا يحتاج إلى تسمية الجنس والصفة ) كذا في الشروح ( فلا بد من تسمية جنسه ) كالعبد والجارية ، فإن العبد جنس عند أهل الشرع ، وكذا الجارية باعتبار اختلاف الأحكام ( وصفته ) أي نوعه على ما سيأتي في كلام المصنف كالتركي والهندي . قال صاحب العناية : فيحتاج إلى تعريف الجنس والنوع ، فقيل الجنس هو ما يدخل تحته أنواع متغايرة ، والنوع اسم لأحد ما يدخل تحت اسم فوقه . وذكر في الفوائد الظهيرية محالا إلى أهل المنطق : الجنس اسم دال على كثيرين مختلفين بالنوع ، والنوع اسم دال على كثيرين مختلفين بالشخص انتهى .

أقول : لا يذهب على ذي فطرة سليمة أنه لم يأت بشيء يعرف به ما هو المراد بالجنس والنوع هاهنا ; لأن الذي ذكره أولا لا حاصل له بل هو أمر مبهم متناول لأمور كثيرة غير مرادة بالجنس والنوع هاهنا قطعا . والذي ذكره ثانيا لا يطابق مراد الفقهاء ويشهد بذلك قطعا ما ذكروه من أمثلة الجنس والنوع . وقال صاحب الغاية : وأراد بالجنس النوع لا مصطلح أهل المنطق وهو الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو ، والنوع هو المقول على كثيرين مختلفين بالعدد في جواب ما هو ، أو أراد مصطلح أهل النحو وهو ما علق على شيء وعلى كل ما أشبهه ، ويجوز أن يريد بالجنس ما يندرج تحته أشخاص ، وقد مر بيان ذلك في كتاب النكاح في باب المهر انتهى .

أقول : كل واحد من المعاني الثلاثة التي جوز كونها مرادة بالجنس هاهنا منظور فيه . أما الأول فلأنه إن أراد بالنوع في قوله وأراد بالجنس النوع المنطقي كما هو المتبادر من سياق كلامه يرد عليه أن من الأجناس الشرعية ما ليس بنوع عند أهل المنطق كالعبد والجارية فإنهما ليسا بنوعين عندهم بل هما عندهم من أصناف نوع الإنسان ، وإن أراد بذلك النوع اللغوي بمعنى القسم يلزم أن يدخل فيه جميع الأنواع الشرعية بل أصنافها أيضا ، فإن كل واحد منها قسم مما هو الأعم منه ، فلا يتميز الجنس الشرعي عن النوع الشرعي وما دونه فيختل معنى المقام . وأما الثاني فلأن ذلك المعنى الذي هو مصطلح أهل النحو في اسم الجنس . وحاصله ما علق على شيء لا بعينه كما ذكره في باب المهر من كتاب النكاح يصدق على ما فرق الأجناس الشرعية كالدابة والثوب والرقيق ، فإن كل واحد منها مما يجمع الأجناس الشرعية كما صرحوا به ، ويصدق أيضا على ما تحت الأجناس الشرعية من الأنواع الشرعية وما دونها ، فلا يتميز الجنس الشرعي حينئذ من غيره فيختل معنى [ ص: 28 ] المقام . وأما الثالث فلأن ذلك المعنى الذي هو مصطلح حكماء اليونان في الجنس على ما نقل عن أبي علي بن سينا يصدق على كل مفهوم كلي يندرج تحته أشخاص فيعم ما فوق الأجناس الشرعية وما تحتها من الأنواع الشرعية وأصنافها ، فلا يتميز الجنس الشرعي حينئذ من غيره أيضا فيختل معنى المقام . وقال صاحب العناية : والمراد بالجنس والنوع هاهنا غير ما اصطلح عليه أهل المنطق ، فإن الجنس عندهم هو المقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب ما هو كالحيوان ، والنوع هو المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة في جواب ما هو كالإنسان مثلا ، والصنف هو النوع المقيد بقيد عرضي كالتركي والهندي ، والمراد هاهنا بالجنس ما يشمل أصنافا على اصطلاح أولئك وبالنوع الصنف انتهى .

أقول : لا يخفى على العارف بالفقه أن ما قاله صاحب العناية أقرب إلى ضبط ما هو المراد من الجنس والنوع عند أهل الشرع ، لكن فيه أيضا إشكال ; لأنه إن أراد بالصنف في قوله وبالنوع الصنف الصنف المنطقي كما هو المتبادر من سياق كلامه ، يرد عليه أن الحمار نوع عند أهل الشرع على ما سيجيء في الكتاب مع أنه ليس بصنف منطقي ، بل هو نوع عند أهل المنطق أيضا ، وإن أراد بذلك الصنف اللغوي بمعنى الضرب والقسم يرد عليه أن الرقيق مثلا صنف بهذا المعنى ; لأنه ضرب من الإنسان وليس بنوع عند أهل الشرع ، بل هو عندهم مما يجمع الأجناس الشرعية كالعبد والجارية على ما صرحوا به ، وإن العبد والجارية مثلا صنفان بالمعنى المذكور وليسا بنوعين عندهم بل هما عندهم جنسان كما نصوا عليه ( أو جنسه ومبلغ ثمنه ) أي أو تسمية جنسه ومقدار ثمنه ( ليصير الفعل الموكل به معلوما فيمكنه الائتمار ) أي فيمكن الوكيل الامتثال لأمر الموكل ، فإن ذكر الجنس مجردا عن الصفة أو الثمن لا يفيد المعرفة فلا يتمكن الوكيل من الإتيان بما أمره الموكل به . واعترض على قوله ليصير الفعل الموكل به معلوما بأن الفعل الموكل به معلوم وهو الشراء .

والجواب : إن الفعل الموكل به في هذا القسم ليس هو الشراء ، بل هو شراء نوع من جنس ، وإذا لم يعلم النوع لم يعلم الفعل المضاف إليه كذا في العناية . أقول : لقائل أن يقول : إن أراد أن الفعل الموكل به في هذا القسم شراء نوع معين من جنس فهو ممنوع ، كيف ومعنى الدليل المذكور أنه لو لم يسم الموكل بشراء شيء نوعه مع جنسه أو مبلغ ثمنه مع جنسه لم يصر الفعل الموكل به معلوما فلم يمكن للوكيل الائتمار بما أمر به ، وعلى هذا لا يحتمل أن يكون الفعل الموكل به شراء نوع معين لكونه خلاف المفروض .

وإن أراد أن الفعل الموكل به في هذا القسم شراء نوع ما من أنواع جنس فهو مسلم ، لكن يرد عليه الاعتراض بأن الفعل الموكل به حينئذ معلوم ، وهو شراء نوع ما من جنس ، فإذا اشترى الوكيل أي نوع كان من ذلك الجنس يصير مؤتمرا بما أمر به . ويمكن الجواب بأن الفعل الموكل به حينئذ وإن كان شراء نوع مطلق من جنس نظرا إلى ظاهر لفظ الموكل لكن يجوز أن يكون مراد الموكل شراء نوع مخصوص من ذلك الجنس ، فإذا لم يعلم ذلك النوع المراد لم يمكن للوكيل [ ص: 29 ] الائتمار بأمره على وفق مراده ، فمعنى كلام المصنف ليصير الفعل الموكل به معلوما على وفق مراد الموكل فيمكن للوكيل الائتمار بأمره على وفق ذلك ويرشد إليه قوله فيما سيأتي فلا يدري مراد الآمر لتفاحش الجهالة ( إلا أن يوكله وكالة عامة ) استثناء من قوله فلا بد من تسمية جنسه وصفته أو جنسه ومبلغ ثمنه : يعني إذا وكله وكالة عامة ( فيقول ابتع لي ما رأيت ) فلا يحتاج إلى ذكر شيء منها ( لأنه ) أي الموكل في هذه الصورة ( فوض الأمر إلى رأيه ) أي إلى رأي الوكيل ( فأي شيء يشتريه يكون ممتثلا ) لأمر الموكل فيقع عنه . أعلم أن الجهالة ثلاثة أنواع : فاحشة وهي جهالة الجنس كالتوكيل بشراء الثوب والدابة والرقيق وهي تمنع صحة الوكالة وإن بين الثمن ; لأن الوكيل لا يقدر على الامتثال . ويسيرة وهي جهالة النوع كالتوكيل بشراء الحمار والفرس والبغل والثوب الهروي والمروي فإنها لا تمنع صحة الوكالة وإن لم يبين الثمن .

وقال بشر بن غياث : لا تصح الوكالة ; لأن التوكيل بالبيع والشراء معتبر بنفس البيع والشراء فلا يصح إلا ببيان وصف المعقود عليه . ولنا { أنه عليه الصلاة والسلام وكل حكيم بن حزام بشراء شاة للأضحية } ولم يبين صفتها . ومبنى الوكالة على التوسع لكونها استعانة فيتحمل فيها الجهالة اليسيرة استحسانا . وفي اشتراط بيان الوصف بعض الحرج فسقط اعتباره ، وجهالة متوسطة وهي بين النوع والجنس كالتوكيل بشراء عبد أو شراء أمة أو دار ، فإن بين الثمن أو النوع ويجعل ملحقا بجهالة النوع ، وإن لم يبين الثمن أو النوع لا يصح ويلحق بجهالة الجنس ; لأنه يمنع الامتثال .

كذا ذكر في الكافي أخذا من المباسيط والجوامع . فأراد المصنف أن يشير إلى هذه الأنواع الثلاثة من الجهالة ، وأن يبين حكم كل واحد منها في باب الوكالة . فقال ( والأصل فيه أن الجهالة اليسيرة تتحمل في الوكالة كجهالة الوصف استحسانا ) هذا بيان لحكم الجهالة اليسيرة ، وإنما قيد بالاستحسان ; لأن القياس أن لا تتحمل الجهالة في الوكالة وإن قلت بناء على أن التوكيل بالبيع والشراء معتبر بنفس البيع أو الشراء ; ألا يرى أنا نجعل الوكيل كالمشتري لنفسه ثم كالبائع من [ ص: 30 ] الموكل فلا يجوز إلا ببيان وصف المعقود عليه . وجه الاستحسان ما ذكره قوله ( لأن مبنى التوكيل على التوسعة ; لأنه استعانة وفي اعتبار هذا الشرط ) يعني اشتراط بيان الوصف أو اشتراط عدم الجهالة اليسيرة ( بعض الحرج وهو مدفوع ) شرعا بالنص



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث