الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ درس ] ( باب ) في الشفعة ، وأحكامها وما تثبت فيه وما لا تثبت فيه .

( الشفعة ) بضم الشين وسكون الفاء ( أخذ شريك ) أي استحقاقه الأخذ أخذ بالفعل أم لم يأخذ بدليل قولهم له الأخذ بالشفعة فالأخذ كضده أي الترك عارض لها ، والعارض لشيء غير ذلك الشيء المعروض فالأخذ أي استحقاقه جنسا ، وإضافته للشريك خرج به استحقاق أخذ الدائن دينه ، والمودع وديعته ، والموقوف عليه منابه من ريع الوقف ونحوهم ( ولو ) كان الشريك ( ذميا باع ) شريكه ( المسلم ) شقصه ( لذمي ) ، أو لمسلم فللذمي الأخذ من المشتري الذمي ، أو المسلم وخص الذمي ; لأنه المتوهم ; لأن المسلم إذا باع نصيبه لذمي كانت المخاصمة بين ذميين فيتوهم أن لا نتعرض لهما وعلى هذا فما قبل المبالغة خمس صور ; لأن الشريكين إما مسلمان باع أحدهما لمسلم ، أو ذمي ، وإما ذميان باع أحدهما لمسلم ، وإما مسلم وذمي باع الذمي لمسلم ، أو المسلم لمسلم وصورة المبالغة سادسة .

والسابعة قوله ( كذميين تحاكموا إلينا ) يعني أنه إذا كان كل من البائع ، والمشتري ، والشفيع الذي هو شريك البائع ذميا فلا نقضي للشفيع بالشفعة إلا إذا ترافعوا إلينا راضين بحكمنا بخلاف الصور الست التي قبلها فثابتة ، وإن لم يترافعوا إلينا وفي كلام المصنف مسامحة ; لأن البائع لا دخل له ، لكن حمله على الجمع الإشارة إلى أنه [ ص: 474 ] لا يتوقف الحكم على رضا الشفيع ، والمشتري إلا إذا كان كل من الثلاثة ذميا ( أو ) كان الشفيع ( محبسا ) لحصته قبل بيع شريكه فله الأخذ بالشفعة ( ليحبس ) الشقص المأخوذ أيضا قال فيها دار بين رجلين حبس أحدهما نصيبه على رجل وولده وولد ولده فباع شريكه في الدار نصيبه فليس للذي حبس ولا للمحبس عليهم أخذ بالشفعة إلا أن يأخذ المحبس فيجعله في مثل ما جعل نصيبه الأول انتهى .

وهذا إذا لم يكن مرجعها له ، وإلا فله الأخذ ولو لم يحبس كأن يوقف على عشرة مدة حياتهم ، أو يوقف مدة معينة فله الأخذ مطلقا ( كسلطان ) له الأخذ بالشفعة لبيت المال قال سحنون في المرتد بقتل وقد وجبت له شفعة أن للسلطان أن يأخذها إن شاء لبيت المال وكذا لو ورثت بنت مثلا من أبيها نصف دار ، والنصف الثاني ورثه السلطان لبيت المال فباعت البنت نصيبها فللسلطان الأخذ لبيت المال ( لا محبس عليه ) أي ليس له أخذ بالشفعة ( ولو ليحبس ) مثل ما حبس عليه إلا أن يكون مرجع المحبس له كمن حبس على جماعة على أنه إذا لم يبق فيهم إلا فلان فهي له ملك ( وجار ) لا شفعة له ( وإن ملك تطرقا ) أي انتفاعا بطريق الدار التي بيعت كمن له طريق في دار يتوصل بها إلى داره فبيعت تلك الدار فلا شفعة له وكذا لو ملك الطريق كما يأتي في قوله وممر قسم متبوعه ( وناظر وقف ) لا أخذ له بالشفعة ; لأنه لا ملك له إلا أن يجعل له الواقف الأخذ ليحبس ( وكراء ) أي لا شفعة في كراء له ، وهو صادق بصورتين : الأولى أن يكتري شخصان دارا ، ثم يكري أحدهما حصته ، والثانية أن تكون دار بين شخصين فيكري أحدهما حصته [ ص: 475 ] فلا شفعة لشريكه ( وفي ناظر الميراث قولان ) بالأخذ بالشفعة لبيت المال وعدمه إن ولي على المصالح المتعلقة بأموال بيت المال مع السكوت عن أخذه بالشفعة وعدم أخذه فإن جعل له السلطان الأخذ بها كان له الأخذ اتفاقا ، وإن منع منه فليس له الأخذ اتفاقا ( ممن تجدد ملكه ) متعلق بأخذ أي ممن طرأ ملكه على الآخذ أي مريد الأخذ فلو ملكا العقار معا بمعاوضة فلا شفعة لأحدهما على صاحبه إلا إذا باع أحادهما لأجنبي فللآخر الأخذ حينئذ ( اللازم ) صفة لملك احترز به ممن تجدد ملكه بمعاوضة لكن بملك غير لازم كبيع الخيار فلا شفعة فيه إلا بعد مضيه ولزومه سواء كان الخيار لأحد المتبايعين ، أو لهما ، أو لأجنبي واحترز به أيضا عن بيع المحجور بلا إذن وليه ( اختيارا ) احترز به عمن تجدد ملكه بلا اختيار كالإرث فلا شفعة ( بمعاوضة ) ولو غير مالية كخلع ونكاح فإن تجدد بغير معاوضة كهبة وصدقة فلا شفعة له .

التالي السابق


( باب في الشفعة ) أي في بيان حقيقتها ( قوله الشفعة أخذ شريك ) أي بجزء شائع لا بأذرع معينة فلا شفعة لأحدهما على الآخر قطعا ; لأنهما جاران ولا بغير معينة عند مالك ، ورجحه ابن رشد ، وأفتى به ، ولأشهب فيها الشفعة .

فإن قلت كل من الجزء كالثلث ، والأذرع غير المعينة شائع قلت شيوعهما مختلف إذ الجزء شائع في كل جزء ولو قل من أجزاء الكل ولا كذلك الأذرع ; لأن الأذرع إذا كانت خمسة إنما تكون شائعة في قدرها أي في كل خمسة من الأذرع لا في أقل منها ( قوله أي استحقاقه الأخذ إلخ ) أي ففي الكلام مجاز بالحذف ، أو أنه من إطلاق اسم المسبب على السبب ، وإطلاق الأخذ على استحقاقه ، وإن كان مجازا كما علمت لكنه مشهور فلا يقال إن المجازات يجب صون التعاريف عنها ، والظاهر أن المراد بالاستحقاق هنا صيرورة الشريك مستحقا للأخذ ، وأهلا له ، أو أنه صفة حكمية توجب له صحة الأخذ جبرا فالسين ، والتاء للصيرورة ، أو أنهما للطلب أي فهو طلب الشريك الأخذ كما قال عبق وعلى كل حال فليس المراد به المعنى المتقدم الذي هو رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله لعدم صحته هنا .

( قوله عارض لها ) أي طارئ بعدها ومترتب عليها إذ يقال أخذ الشفيع بشفعته ، أو ترك الأخذ بها ( قوله غير ذلك الشيء المعروض ) أي بالبداهة ، وإلا كانت الصفة عين موصوفها ( قوله ولو كان الشريك ) أي الطالب للأخذ بالشفعة ( قوله ، أو لمسلم ) هذا مندرج فيما قبل المبالغة أي هذا إذا كان ذلك الشريك الطالب للأخذ بالشفعة مسلما وباع شريكه المسلم ، أو الذمي لمسلم ، أو ذمي ، أو كان ذميا وباع لشريكه الذمي لمسلم ، أو باع شريكه المسلم لمسلم ، بل ولو باع شريكه المسلم لذمي خلافا لقول ابن القاسم في المجموعة لا يتعرض لهم ، وحجة المشهور أنه لما كان البائع مسلما كان للإسلام مدخل في الجملة فيكفي طلب الشفيع ويجبر الذمي المشتري على الدفع له ولو لم يترافعا إلينا ( قوله وخص الذمي ) أي وخص الذمي الثاني بالذكر بعد المبالغة دون المسلم ( قوله ; لأن المتوهم ) الأولى ; لأنه محل الخلاف ، وإلا فتوهم عدم أخذ الذمي بالشفعة من المشتري المسلم أكثر من توهم عدم أخذ الذمي من الذمي فتأمل ( قوله فما قبل المبالغة خمس صور ) الأولى ست صور كما علمت مما ذكرنا ، وصورة المبالغة سابعة وقوله كذميين ثامنة تأمل ( قوله ; لأن البائع لا دخل له ) أي لا دخل له في التحاكم ; لأن التحاكم من خصوص المتنازعين أعني الشفيع [ ص: 474 ] والمشتري ( قوله لا يتوقف الحكم ) أي بالشفعة على رضا الشفيع ، والمشتري أي بحكمنا بينهم ، والحاصل أن الحكم بالشفعة لا يتوقف على رضاهم بحكمنا إلا إذا كان كل من الثلاثة ذميا فإذا كان كل منهم ذميا توقف الحكم بينهم بالشفعة على رضاهم بحكمنا ، وإن كان التحاكم من خصوص المتنازعين أعني المشتري ، والشفيع ( قوله ، أو كان الشفيع ) أي الشريك الطالب للأخذ بالشفعة ( قوله ليحبس الشقص المأخوذ ) ظاهره ولو على غير من حبس عليه الجزء الأول ، وهو واضح من جهة المعنى وفي بهرام ليحبس في مثل ما حبس فيه الأول ، ويدل له كلام المدونة الآتي وقوله ليحبس الشقص المأخوذ أي .

وأما إذا أراد الأخذ للتملك فلا شفعة له ما لم يكن مرجع ما حبسه أولا له ، وإلا كان له الأخذ بالشفعة كما قال الشارح ( قوله فيجعله ) أي فيجعله حبسا في مثل إلخ ( قوله ، وهذا إذا لم يكن مرجعها له إلخ ) .

قال عبق ، والظاهر أنه إذا كان المرجع للغير ملكا كان لذلك الغير الأخذ بالشفعة ; لأنه صار شريكا حكما بالمرجع المجعول ( قوله ، وإلا فله الأخذ إلخ ) ولذا قال ح من أعمر شخصا جزءا شائعا في دار وله فيها شريك فباع شريكه فللمعمر بالكسر الأخذ بالشفعة ; لأن الحصة ترجع له بعد موت المعمر بالفتح ( قوله مدة حياتهم ) أي ، ثم بعد حياتهم ترجع له ( قوله وقد وجبت له شفعة ) أي في حصة شريكه البائع لغيره وقوله إن للسلطان أن يأخذ أي وله أن يترك الأخذ لا يقال المشتري من شريك المرتد لم يتجدد ملكه على ملك بيت المال ; لأنا نقول إنه تجدد بالنسبة للمرتد ، والسلطان منزل منزلته في استحقاق الأخذ وقوله وقد وجبت له شفعة إلخ كما لو كانت دار مشتركة بين المرتد وغيره وباع ذلك الغير حصته قبل ردة شريكه ( قوله ولو ليحبس ) أي ولو أراد الأخذ ليحبس مثل ما حبس عليه إذ لا أصل له في الشقص المحبس أولا ورد المصنف بلو على قول من قال إن المحبس عليه كالمحبس له الأخذ بالشفعة إذا أخذ ليحبس لكن ذكر المواق ما نصه سوى ابن رشد بين المحبس عليه ، والمحبس ، وأن أحدهما إذا أراد الأخذ لنفسه لم يكن له ذلك ، وإن أراد إلحاق الحصة التي يريد أخذها بالشفعة بالحبس فله ذلك فانظر هذا مع خليل ا هـ .

( قوله إلا أن يكون إلخ ) أي ، وإلا كان له الأخذ بالشفعة ; لأنه صار شريكا حكما بالمرجع المجعول له ( قوله كمن حبس ) أي حصة في دار على جماعة ( قوله فهي له ملك ) أي فإذا باع الشريك حصته كان لفلان هذا الذي مرجع الحبس له الأخذ بالشفعة ( قوله وجار ) إنما أتى به مع خروجه بقوله شريك ; لأن شريك وصف ، وهو لا يعتبر مفهومه ولأجل أن يرتب عليه ما بعده من المبالغة ( قوله أي انتفاعا بطريق الدار ) أي بطريق فيها كما لو كانت دار بين اثنين فاقتسماها وجعلا بينهما حائطا وصار أحدهما لا يمكنه الوصول لداره إلا من دار الآخر واستأجر طريقا يمر منها ، أو أرفقه جاره ذلك ( قوله كمن له طريق في دار ) أي وتلك الطريق يملك منفعتها بإجارة ، أو إرفاق وكذلك إذا كان له ملك في ذات الطريق ( قوله فبيعت تلك الدار ) أي التي فيها الطريق وقوله فلا شفعة له أي للجار المالك للطريق .

( قوله وناظر وقف ) كدار موقف نصفها على جهة وله ناظر فإذا باع الشريك نصفه فليس للناظر أخذ بالشفعة ولو ليحبس كما قاله سحنون إلا أن يجعل له الواقف الأخذ ليحبس ، وإلا كان له الأخذ كما قاله عج ( قوله ; لأنه لا ملك له ) أي ، والشفعة إنما تكون للمالك فليس الناظر كالمحبس واعتراض المواق وابن غازي على المصنف بقولهما ابن رشد لو أراد أجنبي أن يأخذ بالشفعة للحبس كان له ذلك على قياس المحبس ، والمحبس عليه إذا أرادا ذلك لإلحاقهما بالحبس فالناظر ، أولى ساقط ; لأنه [ ص: 475 ] تخريج لا يعادل نص سحنون ، كذا وجد بخط عبق .

( قوله فلا شفعة لشريكه ) أي في الوجهين ، وهذا هو مذهب المدونة ابن ناجي ، وهو المشهور ، ومقابله أن في الكراء الشفعة لكنه مقيد بما ينقسم وبأن يزيد الشريك السكنى بنفسه ، وإلا فلا شفعة له ، قاله اللخمي ، والأول هو المعتمد كما علمت ، لكن في بن عن الزقاق في لاميته وغيره جريان العمل بالشفعة في الكراء بالقيد الثاني فقط ، وهو أن يسكن بنفسه ( قوله وفي ناظر الميراث ) أي ، وهو أمين بيت المال وقوله قولان أي ، والمعتمد أن له الأخذ بالشفعة لقيامه مقام السلطان الذي هو الناظر الأصلي على بيت المال ( قوله ، وإن ولي إلخ ) هذا بيان لمحل الخلاف ( قوله مع السكوت ) أي سكوت السلطان الذي أقامه ناظرا ( قوله احترز به ممن تحدد ملكه بمعاوضة لكن بملك غير لازم كبيع الخيار إلخ ) اعترض بأن المعتمد أن الملك في زمن الخيار للبائع وحينئذ فلم يتجدد ملك المشتري حين البيع فهو خارج بقوله ممن تجدد ملكه وليس خارجا بقوله اللازم وأجيب بأن إخراجه بقوله لازم بناء على أن المبيع زمن الخيار على ملك المشتري فيصدق أنه تجدد ملكه إلا أن ذلك الملك غير لازم فلذا أخرجه بقوله لازم ( قوله واحترز به أيضا عن بيع المحجور بلا إذن وليه ) أي فلا شفعة لشريك المحجور فيما باعه المحجور بلا إذن ; لأن المشتري منه ، وإن تجدد ملكه لكن ذلك الملك غير لازم فلا شفعة بمجرد بيعه ، بل حتى يجيز وليه ومثل بيعه شراؤه فإذا اشترى هو يكون قد تجدد ملكه لكن ذلك الملك غير لازم فلا شفعة بمجرد بيعه ، أو شرائه ، بل حتى يجيز وليه ( قوله اختيارا ) فيه أن هذا يغني عنه قوله بمعاوضة وأجيب بأن الأوائل قد وقعت في مراكزها ( قوله كالإرث ) أي فإذا كانت دار بين شريكين ومات أحدهما عن وارث أخذ حصته منها فليس لشريكه أن يأخذ من وارثه بالشفعة فقوله فلا شفعة أي للشريك ممن تجدد ملكه بالميراث ( قوله بمعاوضة ) أي سواء كانت مالية كالبيع ، وهبة الثواب ، والصلح ولو عن إنكار ، أو غير مالية كالمهر ، والخلع ( قوله فلا شفعة له ) أي للشريك ممن تجدد ملكه بالهبة ، أو الصدقة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث