الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام آخر للآمدي

ثم قال الآمدي: "والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية، وكل واحد منها ممكنا على ما وقع به الفرض. فهي: إما متعاقبة، وإما معا، فإن كانت متعاقبة فقد قيل: إن ذلك محال، لوجوه ثلاثة.

الأول: أن كل واحد منها يكون مسبوقا بالعدم، والجملة مجموع الآحاد، فالجملة مسبوقة بالعدم، وكل جملة مسبوقة [ ص: 54 ] بالعدم، فلوجودها أول تنتهي إليه، وكل ما لوجوده أول ينتهي إليه فالقول بكونه غير متناه محال.

الثاني: أن كل واحد منها يكون مشروطا في وجوده بوجود علته قبله، ولا يوجد حتى توجد علته، وكذلك الكلام في علته بالنسبة إلى علتها، وهلم جرا.

فإذا قيل بعدم النهاية فقد تعذر الوقوف على شرط الوجود، فلا وجود لواحد منها. وهذا كما إذا قيل: لا أعطيك درهما إلا وقبله درهم، فإنه لما كان إعطاء الدرهم مشروطا بإعطاء درهم قبله، وكذلك في إعطاء كل درهم يفرض إلى غير النهاية، كان الإعطاء محالا.

الثالث: هو أن القول بتعاقب العلل والمعلولات يجر إلى تأثير العلة بعد عدمها في معلولها، وتأثير المعدوم في الموجود محال".

قال: (وهذه الحجج مما لا مثبت لها.

أما الأولى فلأنه لا يلزم من سبق على كل واحد من الآحاد [ ص: 55 ] سبقه على الجملة، فإن الحكم على الآحاد لا يلزم أن يكون حكما على الجملة كما سبق تحقيقه.

وأما الثاني فإنما يلزم أن لو كان ما توقف عليه الموجود وهو شرط في الوجود غير موجود، كما في المثال المذكور. وأما إن كان موجودا فلا يلزم امتناع وجود المشروط. والقول بأن الشرط غير موجود محل النزاع، فلا تقبل الدعوى به من غير دليل.

وأما الثالثة فإنما تلزم أيضا أن لو كان معنى التعاقب وجود المعلول بعد عدم علته، وليس كذلك، بل معناه: وجود المعلول متراخيا عن وجود علته مع بقاء علته موجودة إلى حال وجوده، وبقاؤه موجودا بعد عدم علته، وكذلك في كل علة مع معلولها، وذلك لا يلزم منه تأثير المعدوم في الموجود، ولا أن تكون العلل والمعلولات موجودة معا، وذلك متصور في العلل الفاعلة بالاختيار".

قال: "والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات [ ص: 56 ] متعاقبة، فكل واحد منها حادث لا محالة. وعند ذلك فلا يخلو: إما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل، أو لا وجود لشيء منها في الأزل، فإن كان الأول فهو ممتنع، لأن الأزلي لا يكون مسبوقا بالعدم. والحادث مسبوق بالعدم، فلو كان شيء منها في الأزل لكان مسبوقا بالعدم ضرورة كونه حادثا، وغير حادث ضرورة كونه أزليا، وإن كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ضرورة أن لا شيء منها في الأزل، ويلزم من ذلك أن يكون لها ابتداء ونهاية غير متوقف على سبق غيره عليه، وهو المطلوب".

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث