الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في أن لكل فرد من بني الإنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار

فصل في أن لكل فرد من بني الإنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار

وعنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما منكم من أحد إلا وله منزلان : منزل في الجنة ، ومنزل في النار ، فإذا مات ودخل النار ، ورث أهل الجنة منزله ، فذلك قوله : أولئك هم الوارثون » أخرجه ابن ماجه ، وسعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن المنذر ، والبيهقي وغيرهم .

وأخرج الترمذي ، وقال : حسن صحيح ، وعبد بن حميد عن أنس ، فذكر قصة ، وفيها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «الفردوس ربوة الجنة ، وأوسطها ، وأفضلها» .

ويدل على هذه الوراثة المذكورة هنا قوله تعالى : تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا [مريم : 63] ، وقوله : تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون [الأعراف : 43] .

وشهد لحديث أبي هريرة هذا ، ما في صحيح مسلم عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال ، فيغفرها الله لهم ، ويضعها على اليهود والنصارى» ، وفي لفظ له : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا كان يوم القيامة ، دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا ، فيقول : هذا فكاكك من النار» .

هم فيها خالدون ; أي إنهم : يدومون فيها ، لا يخرجون منها ، [ ص: 87 ] ولا يموتون ، وتأنيث الضمير ، مع أنه راجع إلى الفردوس; لأنه بمعنى الجنة .

اللهم إن عبدك هذا ، جاءك بذنوب أعظم من الجبال ، وأكثر من عدد الرمال ، فاغفر له يا ذا الكرامة والجلال ، واسترها في الآخرة ، كما سترتها في الدنيا ، يا صاحب الفضل والإفضال ، وإني مستغفر نادم ، أتوب إليك من كل ما علمت وعملت ، وما لم أعلم ولا أعمل ، وأسألك التوفيق والعفو والعافية ، مع قصر الأمل .

وقال تعالى : إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله [الحجرات : 15] إيمانا صحيحا صادقا خالصا من موطأة القلب واللسان ، ثم لم يرتابوا ; أي : لم يدخل في قلوبهم شيء من الريب ، ولا خالطهم شك من الشكوك ، أتى بـ «ثم» التي للتراخي للإشارة إلى أن نفي الريب عنهم ليس وقت حصول الإيمان فيهم وإنشائه فقط ، بل هو مستمر بعد ذلك فيما يتطاول من الأزمنة ، فكأنه قال : ثم داموا على ذلك ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ; أي : في طاعته وابتغاء مرضاته .

ويدخل في الجهاد : الأعمال الصالحة التي أمر الله بها من جملة ما يجاهد المرء نفسه حتى يقوم به ويؤديه كما أمر الله سبحانه; والطاعات كلها كائنة في سبيل الله وجهته ، وأفضلها القتال .

والمجاهدة بالأموال : عبارة عن العبادات المالية; كالزكاة والصدقة .

وقدم الأموال; لحرص الإنسان عليها; فإن ماله شقيق روحه . وجاهدوا بمعنى : بذلوا الجهد .

والمجاهدة بالأنفس : عبارة عن العبادات البدنية ، وأكرمها الغزو في سبيله سبحانه .

أولئك ; أي : الجامعون بين الأمور المذكورة هم الصادقون في الاتصاف بصفة الإيمان ، والدخول في عداد أهله ، لا من عداهم ممن أظهر الإسلام بلسانه ، وادعى أنه مؤمن ، ولم يطمئن بالإيمان قلبه ، ولا وصل إليه معناه ، ولا عمل بأعمال أهله ، وهم سائر أهل النفاق وأهل البدع .

[ ص: 88 ] ويدخل في الآية أيضا : من آمن وعمل ، ولكن لم يجمع بين هذه الأمور ، فإن كان هذا القصور غفلة منه ، وتسلطا من النفس الأمارة بالسوء ، والشيطان المغوي عليه ، فالله غفور رحيم ، واليأس منه كفر ، كما أن الأمن منه كفر أيضا .

وإن كان ارتيابا ، أو عنادا ، أو تمردا ، وجرأة على الله ، فهو من الكاذبين المستحقين للهلاك .

أعاذنا الله منه برحمته ومنه ، وجعلنا ممن لهم لسان صدق في الآخرين . اللهم آمين .

وقال تعالى : ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر [البقرة : 177] ذكر ذلك; لأن عبدة الأوثان كانوا ينكرون البعث بعد الموت والملائكة ; أي : الإيمان بهم كلهم; لأن اليهود قالوا : إن جبريل عدونا ، والكتاب ; أي : القرآن ، وقيل : جميع الكتب المنزلة; لسياق ما بعده ، وهو قوله : والنبيين يعني : أجمع ، وإنما خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة; لأنه يدخل تحت كل واحد منها أشياء كثيرة مما يلزم المؤمن أن يصدق بها ، وآتى المال على حبه ; أي : مع حبه ، أو على حب الله ذوي القربى يعني : أهل قرابته; لكون دفع المال إليهم صدقة وصلة ، إذا كانوا فقراء واليتامى ، وهم أولى بالصدقة من الفقراء الذين ليسوا بيتامى; لعدم قدرتهم على الكسب ، واليتيم : هو الذي لا أب له مع الصغر ، والمساكين ، وهو الساكن إلى ما في أيدي الناس; لكونه لا يجد شيئا ، وابن السبيل المسافر المنقطع ، والسائلين ; أي : الطالبين للإحسان المستطعمين ، ولو كانوا أغنياء ، وفي الرقاب يعني : المكاتبين ، وقيل : هو فك النسمة ، وعتق الرقبة ، وفداء الأسارى ، ليس البر أن تولوا المفروضتين ، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا الله أو الناس .

قيل : المراد بالعهد : القيام بحدود الله ، والعمل بطاعته ، وقيل : النذر ، وقيل : الوفاء بالمواعيد ، والبر في الحلف ، وأداء الأمانات .

والأولى الاعتبار بعموم اللفظ ، فكل أمر يصدق عليه أنه عهد ، أو نوع منه ، فالآية الشريفة تشمله ، والوفاء به حسن متحتم .

[ ص: 89 ] والصابرين في البأساء الشدة والفقر والضراء و المرض والزمانة وحين البأس ; أي : وقت الحرب وشدة القتال في سبيل الله .

قالوا : الآية جامعة لجامع الكمالات الإنسانية ، وهي : صحة الاعتقاد ، وحسن المعاشرة ، وتهذيب النفس ، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون

قال الحسن : هذا كلام في الإيمان وحقيقة العمل ، فإن لم يكن مع القول عمل ، فلا شيء .

قال الواحدي : إن الواوات في هذه الأوصاف تدل على أن من شرائط البر استكمالها وجمعها .

فمن قام بواحد منها ، لا يستحق الوصف بالبر . والآية عامة في جميع المؤمنين .

وقال تعالى : ومن يعمل من الصالحات ; أي : بعضها ، وهي الفرائض .

وقال الطبري : «من» زائدة عند قوم ، وهو ضعيف; لأن المكلف لا يطيق عمل كل الصالحات .

من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فيه اشتراط الإيمان في كل عمل صالح ، فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا [النساء : 124]; أي : قدر النقير ، وهو النقرة في ظهر النواة . وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم ، ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان .

وكيف والمجازي أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ، وأفضل الأفضلين؟!! ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن [النساء : 125]; أي : أخلص نفسه له ، عاملا بالحسنات . قال ابن عباس : هو محسن ، يريد : موحد لله - عز وجل - ، لا يشرك به شيئا .

واتبع ملة إبراهيم حنيفا ; أي : مائلا عن الأديان الباطلة إلى دين الحق ، وهو الإسلام .

[ ص: 90 ] وخص إبراهيم - عليه السلام -; للاتفاق على مدحه من اليهود والنصارى والمجوس والهنود . وقال تعالى : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين [التوبة : 18] .

قال ابن عباس : كل «عسى» في القرآن فهي واجبة; كقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [الإسراء : 79] ، وهي الشفاعة ، قال : يقول : من وحد الله ، وآمن بما أنزل الله ، وأقام الصلوات الخمس ، ولم يتعبد إلا لله ، فهو من المهتدين .

واقتصر على ذكر الصلاة ، والزكاة ، والخشية; تنبيها بما هو أعظم أمور الدين على ما عداه; مما افترضه الله على عباده; لأن كل ذلك من لوازم الإيمان ، وصفات المؤمنين .

وقال تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [التوبة : 71]; أي : قلوبهم متحدة في التوادد والتحابب والتعاطف ، واتفاق الكلمة والعون والنصر; بسبب ما جمعهم من أمر الدين ، وما ضمهم من الإيمان بالله .

ثم بين أوصافهم فقال : يأمرون بالمعروف ; أي : بما عرف من الشرع غير منكر .

ومن ذلك توحيد الله - سبحانه وتعالى - ، وترك عبادة غيره ، ظاهرا وباطنا ، والدعوة إلى اتباع الحديث ، وترك تقليدات الرجال .

وينهون عن المنكر ، أي : عما هو منكر في الدين غير معروف .

ومنه : إيثار التقليد ، والابتداع على الاتباع والعمل بالسنة .

والمراد : جنس المعروف ، وجنس المنكر الشاملين لكل خير وشر . وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي من الأحاديث ما هو معروف ، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة المفروضة الواجبة .

[ ص: 91 ] خصهما بالذكر من جملة العبادات; لكونهما الركنين العظيمين ، بما يتعلق بالأبدان والأموال ، ويطيعون الله ورسوله في جميع ما أمرهم بفعله ، أو نهاهم عن الإتيان به ، ولا يطيعون أحدا ممن سواهما ، كائنا من كان ، وأينما كان ، ومن أطاع غيرهما من الأحبار والرهبان ، والأئمة والشيوخ ، فلا يستحق ما ذكره الرحمن في هذه الآية .

أولئك المتصفون بهذه الأوصاف سيرحمهم الله «السين» للمبالغة والدلالة على تحقق ذلك وتقرره ، بمعونة المقام والتوكيد في إنجاز الوعد; لكونه بشارة امتحضت لتأكيد الوقوع; أي : وقوع ما وعد به من الرحمة والرضوان ، وما أعد لهم من النعيم المقيم في الجنان .

إن الله عزيز حكيم [التوبة : 71 ] فيه ترغيب وترهيب ، وتعليل لقوله :

سيرحمهم الله ، فهو لف و نشر مشوش .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث